المناخ .. حتى تكون التشاركية منصفة
تعد أزمة انتشار فيروس كوفيد ـ 19، من أهم وأصعب التجارب والأزمات التي مرت على تاريخ البشرية، واتضح فيها أن الاتفاقيات الدولية إذا لم تجد تعاونا ومسؤولية مشتركة فإنها ستصطدم بواقع المجتمعات الإنسانية واحتياجاتها المعيشية اليومية، مهما كانت القيم والمبادئ النبيلة التي تحملها لهم تلك الاتفاقيات، فالحديث عن قضايا عالمية الطابع لا يجعلها محلية في الوقت ذاته، إلا إذا حملت في طياتها معالجات أو مراعاة للظروف المحلية للدول والاختلافات بينها.
فمع انتشار الفيروس بين المجتمعات فقد تفاوتت تطبيقات الدول للنصائح والإرشادات والبروتوكولات التي طالبت بها منظمة الصحة العالمية، والسبب يعود إلى أن قوة هذه الإجراءات وصرامتها خاصة في جانبها الاقتصادي تعني انهيار دخل عديد من الأسر في مناطق عديدة من العالم نتيجة لتوقف الأعمال اليومية التي تكفل لهم الحياة، وفي حال لم تتبن هذه الدول بروتوكولات المنظمة الدولية فقد ينهار التعاون الدولي في مواجهة الفيروس.
ولقد تبينت للمملكة مع الشهور الأولى لانتشار الجائحة هذه الحقيقة ومدى الحاجة إلى سياسات اقتصادية داعمة للدول، التي تعاني ظروفا اجتماعية واقتصادية قد لا تمكنها من القيام بمتطلبات المنظمة العالمية، وطالبت وطرحت من خلال اجتماعات قمة العشرين مبادرات بدعم هذه الدول من خلال مساعدات مباشرة ومن خلال إيقاف سداد القروض أو منح إعفاءات وتأجيل الدفعات، وقد نجح العالم بفضل الله ثم بفضل هذه القرارات التي تبنتها السعودية في تجاوز واحدة من أشرس الأوبئة التي شهدها تاريخ البشرية، ولن تغيب عن ذاكرة المجتمعات الإنسانية.
وفي هذا المسار المنطقي في النظر إلى تأثير السياسات والاتفاقيات الدولية، فإن ما حدث مع فيروس كورونا الذي سيحدث في الأغلب مع أي اتفاقيات ذات تأثير اجتماعي وإنساني واقتصادي في دول العالم، فاحتياج العالم لتحقيق توافق وعمل مشترك مرهون بتفهم هذا التنوع المصيري بين شعوب العالم، ولهذا تقف السعودية مجددا بحكمتها وتطالب من خلال منصات دولية مختلفة لتؤكد أهمية توحيد الجهود لتطبيق الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاقية باريس، والأخذ في الحسبان مبدأ المسؤولية المشتركة، والمتباينة بين الدول.
هذا موقف السعودية الثابت من القضايا الدولية كافة التي تتعلق بالإنسان وصحته وبيئته، وهذا ما أكده الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة خلال كلمة المملكة في مؤتمر الدول الأطراف لتغير المناخ COP26 الذي استضافته مدينة جلاسكو في المملكة المتحدة، فقضية المتغيرات المناخية وما تسببت فيه من كوارث طبيعية على الإنسان والبيئة والبنى التحية للدول، تشبه إلى حد كبير ما أحدثته أزمة انتشار فيروس كورونا من قلق عالمي على المستويات كافة، والفارق الأساسي بين الأمرين أن مكافحة انتشار الجائحة كانت تتطلب قرارات عاجلة وصرامة في التنفيذ قبل خروج الأمر عن السيطرة تماما، ما أقنع الدول المانحة بالخيارات التي قدمتها المملكة، لكن خطط معالجة التغيرات المناخية ليست بالاستعجال ذاته بل إنها تمتد حتى 2060، ولكن هذا لا يغير من المسلمات الأساسية المرتبطة بالمشكلة الإنسانية، فالمعالجة لهذه القضية تتطلب الجهود نفسها التي عالجت مشكلة كورونا، وفي هذا قال وزير الطاقة إن علينا مراعاة الظروف الخاصة التي تواجهها الدول الأقل نموا، وأن نعمل معا على دعمها لمواجهة الآثار السلبية الناجمة عن السياسات المتعلقة بالتغير المناخي، دون تعطيل تنميتها المستدامة، كما أكد أن الطابع العالمي لتغير المناخ يتطلب استجابة مشتركة وفاعلة، ونجاح هذه الاستجابة يكمن في تحقيق ثلاث ركائز أساسية، أولها أمن الطاقة، وثانيها التنمية الاقتصادية التي تكفل رفاهية الشعوب، وثالثها التصدي لتحديات التغير المناخي، ويجب أن تراعى هذه الركائز جميعها معا، دون إخلال بواحدة من أجل أخرى.
هذه السعودية ومواقفها الإنسانية، التي تحرص على رعاية مصالح الدول الأقل نموا، ودائما تهتم بدورها العالمي فقد جاء في كلمة وزير الطاقة في المؤتمر الذي يشهده العالم أجمع تلك الجهود التي قامت بها للإسهام في خفض الانبعاثات الكربونية، وتأتي مبادرتا "السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر"، اللتان تهدفان إلى خفض الانبعاثات الكربونية في منطقة الشرق الأوسط تزيد على 10 في المائة من مجمل الإسهامات العالمية الحالية، من بين عدة مبادرات وإنجازات حقيقية على أرض الواقع، ومن ذلك أيضا ما تعهدت به المملكة لرفع مستوى إسهاماتها في تخفيض الانبعاثات بمقدار 278 مليون طن بشكل سنوي، بحلول 2030، أي ما يعادل أكثر من ضعف ما سبق الإعلان عنه في 2015، كما أعلنت استهدافها للوصول للحياد الصفري في 2060، من خلال نهج الاقتصاد الدائري للكربون.
وكشف الأمير عبدالعزيز بن سلمان عن رغبة بلاده في الانضمام إلى التعهد العالمي بشأن الميثان الذي يستهدف تخفيض الانبعاثات العالمية للميثان بمقدار 30 في المائة من مستويات 2020، من خلال 53 مبادرة يفوق حجم الاستثمارات فيها 185 مليار دولار، وتطمح السعودية إلى إنتاج أربعة ملايين طن سنويا من الهيدروجين الأخضر والأزرق، وبناء أكبر مجمع لاحتجاز واستخدام وتخزين الكربون بطاقة تصل إلى 44 مليون طن سنويا.
وفي مجال دعم الدول النامية أعلن وزير الطاقة عن إنشاء صندوق للاستثمار في تقنيات الاقتصاد الدائري للكربون في دول الشرق الأوسط وإفريقيا والدول النامية، وإطلاق مبادرة عالمية تسهم في تقديم حلول الوقود النظيف لتوفير الغذاء لأكثر من 750 مليون شخص في العالم، ويبلغ إجمالي الاستثمار في هاتين المبادرتين نحو 11 مليار دولار، وستسهم في تمويل نحو 15 في المائة منها، وستعمل السعودية مع الدول وصناديق التنمية الإقليمية والدولية لبحث سبل تمويل وتنفيذ هذه المبادرات.
هكذا تضع المملكة أمام العالم مسلمات أساسية لمعالجة مشكلة المناخ التي يجب أن تخرج عن الإطار التقليدي الذي انحصرت فيه طوال أكثر من عقد من الزمان دون تحقيق تقدم ملموس، فالحل لا يتركز على التحيز تجاه مصدر من مصادر الطاقة دون الآخر، بل يعتمد على إطلاق مبادرات نوعية وهادفة ومبتكرة، بحيث تضمن تحقيق المستهدفات من خلال الحفاظ على خطط التنمية الإنسانية، وتعزيز أمن واستقرار أسواق الطاقة العالمية، الذي يحتاج في الوقت نفسه إلى توازن مستدام.