رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاقتصاد الثقافي .. إبداعات وعوائد

أخذ ما يسمى "الصناعات الإبداعية" ينمو وينتشر ويتنوع في غضون العقدين الماضيين، وبات هذا المجال في الواقع محوريا على الساحة الاقتصادية العالمية، بعائدات 2.25 تريليون دولار سنويا، حيث يسهم في توليد الوظائف بصورة مستمرة، لأنه قابل للتطوير والنمو السريع.
البعض أطلق على هذا القطاع "الاقتصاد البرتقالي"، والآخر سماه "الاقتصاد الثقافي"، ودول وصفته بـ"الاقتصاد الإبداعي"، وكل هذه الأسماء تتناسب مع واقع هذا الاقتصاد، الذي أصبح يمثل مؤشرا من جهة الابتكارات. و"الاقتصاد الإبداعي" حقق بالفعل خلال الأعوام الماضية قفزات نوعية، وشجع القائمين على رسم خريطة الاقتصادات الوطنية على نقله إلى مرحلة التمكين الكلي، خصوصا في الدول ذات الاقتصادات المتقدمة.
والتعريف الأسهل لهذا الميدان، هو المكان الذي تتقاطع فيه الأفكار الاقتصادية مع الإبداع والقيم الاجتماعية القائمة على تحفيز المعرفة والمواهب، والمفاهيم المتعلقة بالاستدامة. والنقطة الأخيرة تمثل أهمية كبيرة، لأنها تبعد هذا القطاع عما يمكن وصفه بـ"مرحلة الطفرات" التي تأتي وتمضي دون أثر واضح لها، ودون استدامة، بالطبع. ولا بد من الإشارة إلى أن العالم اهتم بهذا الميدان، إلى درجة أنه صار تخصصا مستقلا في الدراسات الاقتصادية. والأنشطة التي تدخل في مجال هذا النوع من الاقتصاد متعددة، بدأت بالموسيقى باعتبارها واحدة من أقدم الممارسات في التاريخ، وضمت في المرحلة الحديثة كل الحراك الذي يهتم بتوليد واستغلال المعرفة والمعلومات. وهو في النهاية يشكل ما اتفق على تسميته بصورة أشمل "الاقتصاد الثقافي".
وهذا الاقتصاد، خضع في فترة زمنية قصيرة نسبيا لتوسيع نطاقه. فـ"الصناعات الثقافية" صارت تشمل الإعلانات والهندسة المعمارية والفن والحرف اليدوية والتصميم، وصناعة الأزياء والسينما والمسرح والموسيقى، وقبل عقدين من الزمن، دخلت البرمجيات وصناعة ألعاب الفيديو والتلفزيون والراديو. ولأن الأمر كذلك، استحق توصيفا يعده بعض المختصين الأشمل، وهو "الاقتصاد الإبداعي". وبوجود الساحات المتعددة له، من الفنون إلى الهندسة والأزياء، بلغت عائدات الاقتصاد المشار إليه 2250 مليار دولار، وهو يوظف على المستوى العالمي 30 مليون شخص، ويمثل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولأنه كذلك، يلقى دعما متصاعدا حتى من المنظمات الدولية التي تهتم بالثقافة والفنون والتطور التقني وغيرها، عبر تشجيع الحكومات لتوفير الأدوات اللازمة لاستدامة هذا القطاع الذي يسهم في تكريس مفهوم الاستدامة.
لقد كان طبيعيا أن يتلقى "الاقتصاد الإبداعي" ضربة بسبب الأزمة الاقتصادية التي خلفتها جائحة كورونا. وبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، كلف إلغاء العروض العامة خلال عام الجائحة الاقتصاد المذكور أكثر من 30 في المائة من إجمالي العوائد المعتادة. وهذه الخسائر لا تندرج معها تلك التي أصابت قطاع الإنتاج السينمائي. وفي كل الأحوال، بدأ نشاط الاقتصاد الإبداعي في العودة، مع تخفيف القيود التي فرضت حول العالم بسبب كورونا.
ومن المتوقع أن يستعيد "اقتصاد الإبداع" عافيته في العامين المقبلين، بحسب قوته التي سبقت الوباء في هذه الدولة أو تلك. ففي المنطقة العربية، يعد هذا القطاع سوقا صاعدة، فقد بلغت إيراداته في 2018 نحو 58 مليون دولار وفق الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين. المثير في الأمر أن القطاع المشار إليه في المنطقة يوظف 2.4 مليون شخص، وهو عدد كبير بمقاييس الاتحاد الدولي.
وفي كل الأحوال، سيشهد "الاقتصاد الإبداعي" نموا مميزا خلال أعوام العقد الجاري، إذا سارت الأمور على صعيد فيروس كورونا كما يرجو العالم أجمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي