معادلة نمو لتوازن مالي
يواصل الاقتصاد السعودي تسجيل نتائجه المميزة في مؤشرات النمو كافة ويحقق أرقاما قياسية غير مسبوقة، حيث حقق الناتج المحلي الإجمالي نموا قويا بالأسعار الثابتة بلغ 6.8 في المائة خلال الربع الثالث من العام الجاري يعد الأفضل خلال عشرة أعوام، أي منذ النمو البالغ 8.73 في المائة خلال الربع الأول من 2012. هذا النمو البارز والملاحظ، يؤكد ما أصدرته وزارة المالية في البيان التمهيدي للميزانية الذي توقعت فيه أن يصل النمو في العام الجاري 2021 عند مستوى 2.6 في المائة، بعد أن خرج من تراجع قريب من 5 في المائة في العام الماضي، ما يمثل قفزة نوعية للاقتصاد السعودي وسريعة في الوقت نفسه أيضا، ومع مثل هذا النمو السريع يكون التضخم القوي، لكن هذا الوضع لم يحدث كما الحال في عديد من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي تواجه ضغوطا تضخمية من جوانب مختلفة ومتنوعة، يأتي بعضها لمشكلات في الإمدادات العالمية. ولم يكن هذا الأمر ظاهرا في الاقتصاد السعودي، فكما تشير التوقعات الأولية لوزارة المالية أن يبلغ معدل التضخم لكامل العام نحو 3.3 في المائة، ما منح الاقتصاد نموا معتبرا مع تجنب التضخم.
وسر النمو في الناتج المحلي يأتي من تفاعل عدد من العوامل منها القطاع النفطي، والقطاعان الخاص والحكومي، كما أن الميزان التجاري له أثر في قوة واتجاه النمو الاقتصادي حتى النصف الثاني من العام الحالي. فقد وقع الثقل الأساسي للنمو والخروج من أزمة كورونا على القطاعين الخاص والحكومي، وهما معا يمثلان القطاع غير النفطي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في النصف الأول من عام 2021 نموا قدره 5.4 في المائة مدعوما بنمو الناتج المحلي الحقيقي للقطاع الخاص الذي سجل نموا قدره 7.5 في المائة، بينما بلغ نمو القطاع الحكومي نسبة 2.7 في المائة، وخلال النصف الأول من العام الجاري واجه القطاع النفطي تراجعا تجاوز 6 في المائة، أثر في إجمالي النمو للناتج المحلي، وهذا يعود إلى عدد من العوامل من بينها عودة الأسعار من مستويات تاريخية من الهبوط، حيث تراجع دون مستوى 20 دولارا خلال العام الماضي، ما هدد تحالف "أوبك +"، لكن الجهود التي بذلتها السعودية أعادت الأسعار إلى مستوياتها قبل الأزمة. ويتطلب بعض التضحيات المؤقتة لإعادة التوازن للسوق، واستعادة ثقة المنتجين ببعضهم بعضا، القبول بالتخفيضات التطوعية خارج الحصص المتفق عليها.
السعودية من الدول المبادرة في ذلك وهو ما تسبب في تراجع كميات الإنتاج وأثر في نمو القطاع النفطي خلال النصف الأول، من العام وكان عامل ضغط قويا على انطلاقة معدل النمو الاقتصادي الإجمالي، خصوصا أن المملكة تعول على نمو القطاع غير النفطي الذي كان في الموعد تماما، لكن مع عودة الأسعار لتجاوز مستويات 80 دولارا وقرارات تحالف "أوبك +" لرفع مستويات الإنتاج انقلبت الحال في القطاع النفطي تماما بين الربعين الثاني والثالث.
فالناتج المحلي للقطاع النفطي نما 9 في المائة بعد رفع الإنتاج السعودي لمواجهة الطلب المتزايد على النفط في ظل التعافي العالمي من جائحة كورونا. وهذا النمو في القطاع النفطي الأعلى منذ الربع الثاني 2012 عندما سجل 9.24 في المائة، ومع قدرة القطاع غير النفطي على المحافظة على الزخم حيث ارتفع 6.2 في المائة، فقد انعكس كل ذلك على نمو الناتج المحلي 5.8 في المائة مقارنة بالربع الثاني من العام الجاري.
التعاضد القوي لمكونات الاقتصاد السعودي يؤكد ويعكس قدرة الاقتصاد على مواصلة النمو العام المقبل لتحقيق المستهدف وهو 7.5 في المائة. كما حدده البيان التمهيدي لوزارة المالية، كما أن هذا النمو يعزز توقعات المالية العامة بالوصول إلى التوازن المالي عام 2023، مع تنامي هذه المكونات جميعا وتحقيق تدفقات نقدية ضخمة.
هنا نشير إلى أن مستهدفات رؤية المملكة 2030 تقوم على تحرير الاقتصاد السعودي من مشكلة الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للنمو الاقتصادي، حيث إن هذا المصدر عرضة للتقلبات الحادة، وهو ما تؤكده الحالة الراهنة، حيث انتقل النمو في هذا القطاع بين الربعين الثاني والثالث متجاوزا 12 في المائة، فالتقلبات في هذا القطاع واضحة، وتعد رهينة للحالة الاقتصادية الدولية، لكن تنامي المكونات الداخلية وقدرتها على تحقيق توازن مطلوب، والتغلب على تراجع النمو في القطاع النفطي يمثل هدفا استراتيجيا، ويمكن القول بثقة ثابتة: إنه تحقق من خلال الأرقام، والحفاظ على النمو والزخم الاقتصادي حتى مع التقلبات في أسعار النفط ونمو القطاع.