ذهبت أيام الازدهار .. قطاع السيارات في المكسيك يشهد أوقاتا عصيبة
سابقا، كانت صناعة السيارات في المكسيك نقطة جذب لمليارات الدولارات من الاستثمارات وتوفير فرص عمل سريعة، إلا أن إنتاج ومبيعات الصناعة الشهرية يعيشان الآن حالة من الضعف وصلت بهما إلى أدنى مستوياتهما خلال عقد، إثر تضرر الصناعة من الجائحة ونقص رقائق أشباه الموصلات.
مشكلات الرقائق التي يشعر بها العالم تضرب أمريكا الشمالية خاصة، وتشهد المكسيك تأثيرا هائلا لأنها تعتمد على السيارات في أكثر من 3 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. أظهرت بيانات منشورة يوم الإثنين الماضي أن إنتاج السيارات في ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية في تشرين الأول (أكتوبر) كان عند أدنى مستوياته في مثل هذا الشهر منذ 2011.
مشكلات سلسلة توريد السيارات يمكن أن تضرب الناتج المحلي الإجمالي 1 في المائة هذا العام، وفقا لتقديرات بنك المكسيك في آب (أغسطس)، ومن المحتمل أن تستمر المشكلات حتى العام المقبل. قال محللون إن حالة عدم اليقين تفاقمت بسبب تغير أذواق المستهلكين في الولايات المتحدة والتحول إلى السيارات الكهربائية وسياسة الحكومة المكسيكية في مجال الطاقة.
"نحن في لحظة صعبة جدا بالنسبة للقطاع"، حسبما قال أدريان دي لا جارزا، كبير الاقتصاديين في المكسيك في مجموعة سيتي، مضيفا: "ليس من الواضح ما إذا كنا في المستقبل سنشهد انتعاشا كبيرا في الاستثمار الأجنبي".
قد يكون هذا عبئا على الانتعاش الاقتصادي الهش بالفعل في المكسيك، الذي تقلص فجأة في الربع الثالث. وفي حين استفاد القطاع منذ فترة طويلة من اتفاقيات التجارة الحرة في أمريكا الشمالية، إلا أن الازدهار المنتظر بفارغ الصبر، المستند إلى انتقال المصانع من آسيا لتكون أقرب إلى الولايات المتحدة، لم يتحقق بعد.
هذا العام، كان صانعو السيارات يأملون في التعافي تماما من عمليات إغلاق كوفيد - 19 التي حدثت العام الماضي، لكن اختناقات سلسلة التوريد الناجمة عن موجات الفيروس المستمرة ونقص المواد الخام وعوامل أخرى أدت إلى تقييد إمدادات الرقائق بشدة. وتسبب ذلك في فترات توقف وتخفيضات في الإنتاج في كثير من المصانع.
قال جيدو فيلدوزو، كبير محللي السوق في شركة آي إتش إس ماركيتس: "تعافينا من إغلاق المصانع، لكن بعد ذلك استهلكنا جميع المواد الخام ونفدت المكونات منا. نحن في نقطة حيث (...) إذا خرج أي شيء عن مساره، فإن تأثير الدومينو يكون شديدا جدا".
يعمل نحو مليون مكسيكي في صناعة السيارات. وتعتمد مناطق بأكملها في البلاد على المصانع المملوكة لأسماء كبيرة مثل "جنرال موتورز" و"نيسان" ومورديهما. أكثر من 80 في المائة من الإنتاج مخصص للتصدير، معظمه إلى الولايات المتحدة.
قال محللون في شركة كابيتال إيكونوميكس إن الكثير من الأسواق الناشئة التي صنعت السيارات تشهد تأثيرا يبلغ 0.1 إلى 0.2 في المائة على الناتج المحلي الإجمالي بسبب مشكلات الرقائق. لكنهم أضافوا أن التأثير العام في المكسيك والتشيك والمجر، حيث يشكل القطاع جزءا أكبر من الاقتصاد، من المرجح أن يكون أكبر من 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بما في ذلك الآثار غير المباشرة.
حذرت تاتيانا كلوثير، وزيرة الاقتصاد في المكسيك، من أن مشكلات الرقائق لها تأثير في الاقتصاد الأوسع. قالت إن فريقها يعمل في إطار الحوار الاقتصادي رفيع المستوى بين الولايات المتحدة والمكسيك لتعزيز سلسلة التوريد.
قالت لـ"فاينانشيال تايمز": "نحن في الحوار نعمل على هذا، من القضايا المتعلقة بالتدريب وصقل مهارات الأشخاص اللازمين لنماذج الرقائق الجديدة، إلى تحديد الأجزاء التي سيفعلها كل جانب. إنها إحدى أولوياتنا".
سبب آخر لتضرر المكسيك بشدة هو أنها لا تزال تصنع كثيرا من السيارات الأصغر، التي تم تأخير مستوى أولويتها من حيث الرقائق التي تطلبها الشركات. هناك أيضا اتجاه واضح بين المستهلكين في الولايات المتحدة ـ سوق السيارات الرئيسة للمكسيك ـ بعيدا عن سيارات الركاب الأصغر باتجاه الشاحنات الخفيفة. المكسيك تعيد التوازن، لكنها لا تستطيع السير بسرعة الاتجاهات المتغيرة.
قال فيلدوزو: "هناك ضربة مزدوجة موجهة في الأساس. أنت مقيد بتوافر أشباه الموصلات ولكن بعد ذلك تنظر الصناعة أيضا فيما يولد الإيرادات".
تراجعت أيضا مبيعات السيارات المحلية، حيث عانت الصناعة أسوأ تشرين الأول (أكتوبر) مر عليها منذ عقد، ما يعكس نقص المخزون. قال خورخي فاليجو، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة ميتسوبيشي موتورز المكسيك: "إنها لحظة معقدة".
مشكلات الرقائق قصيرة الأجل تسبب الضرر الآن، لكن بعض الاتجاهات طويلة الأجل تتقابل أيضا في الأفق.
قال محللون إن الاقتراح الأخير لتأميم إنتاج الليثيوم في المستقبل من غير المرجح أن يساعد حالة المكسيك في الكفاح العالمي من أجل الاستثمار في السيارات الكهربائية.
أشارت كلوثير إلى أن فريقها كان يعمل مع القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية على التحول إلى السيارات الكهربائية، ولا سيما فيما يتعلق بإنتاج البطاريات. أضافت: "نحن نفعل ما يتعين علينا فعله للمضي قدما في نظام مختلط".
وفقا لخوسيه زوزايا ديلانو، الرئيس التنفيذي لـ"الجمعية المكسيكية لصناعة السيارات"، هذا التحول لديه القدرة على إعادة تشكيل جغرافية صناعة السيارات في جميع أنحاء العالم.
قال: "المكسيك (...) أظهرت على مر الأعوام أن لديها القدرة والأشخاص المؤهلين لصنع مركبات ذات تكنولوجيا متقدمة. نحن جاهزون، لكننا بحاجة إلى القيام بعمل أفضل في جذب الاستثمار والثقة به".