أزمة متجددة وفقاعة تتشكل
تبدو في الأفق أزمة اقتصادية عالمية جديدة. لا أحد يستطيع معرفة إن كانت مجرد فقاعة سيستطيع الاقتصاد الصيني ابتلاعها وحده والسيطرة عليها أم أزمة دائمة ستصل آثارها إلى بقية الأسواق. الحديث هنا عن أزمة العقارات الصينية المستمرة منذ أيلول (سبتمبر) الماضي مع قضية "إيفرجراند" ووصولا إلى "كايسا" التي علقت أسهمها في بورصة هونج كونج بعد تخلفها عن سداد قرض يبلغ 400 مليون دولار مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي.
ما يثير المخاوف والتساؤلات لدى المحللين والمراقبين أن تمتد أزمة ديون "إيفرجراند" و"كايسا" إلى بقية الشركات الصينية العقارية الموزعة بين أكبر بورصات العالم المهددة في حال وقوع المحظور بانهيارات تعيد للأذهان شبح سيناريو أزمة عام 2008 المرتبطة بالرهن العقاري. ورغم أن بعض اقتصادات العالم بدأت في الأشهر الأخيرة مرحلة التعافي من التبعات الاقتصادية من الجائحة، إلا أن أزمة شركات العقارات الصينية تبدد أجواء التفاؤل مع تواصل التحذيرات من خطورتها على الاقتصاد العالمي، وكان آخرها من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي أكد أن مشكلات القطاع العقاري المستمرة في الصين يمكن أن ترفع الضغوط المالية على الأسواق العالمية، وتؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي بشكل عام، والأمريكي خاصة.
ومن المفارقات أن أزمة العقارات الصينية تأتي في الوقت الذي كانت خلال فترة الجائحة طوق النجاة الذي ساعد اقتصاد البلاد على استقطاب استثمارات مثلت الربع من إجمالي الاستثمارات الأجنبية التي ذهبت إلى بكين العام الماضي. ويخشى أن تكون أزمة "كايسا" سيئة للغاية لمجموعة من الأسباب، أهمها أن البلاد تعرضت إلى هزة حقيقية بعد تخلف أكبر شركة للعقارات في الصين "إيفرجراند" عن سداد ديون بلغت أكثر من 300 مليار دولار في وقت سابق. ورغم أن السوق العقارية الصينية كبيرة، إلا أن شركة مثل هذه تمثل رمزا من رموز الحراك العقاري المحلي، ولا سيما في ظل الانفتاح الاقتصادي للبلاد.
ومع مساعي الحكومة الصينية طوال الأشهر الماضية في احتواء المخاطر التي تحيط بـ"إيفرجراند"، إلا أنها وجدت نفسها أمام أزمة جديدة ومتجددة مع "كايسا"، والمشكلة في هذه الشركة أنها أخفقت بالفعل في تسديد ديونها، وتختلف عن "إيفرجراند" التي نجت بالفعل من الإفلاس، بعد أن تمكنت من تجميع أموال مكنتها من التسديد، لكن تظل المخاطر حاضرة على كل الشركات العقارية العملاقة في الصين، إلى أن تتضح الصورة تماما. فمؤسسة واحدة فقط مثل "إيفرجراند" ترتبط بنحو 128 مصرفا و121 مؤسسة مالية غير مصرفية. و"إيفرجراند" أكبر شركة تطوير عقاري في الصين من حيث الإيرادات، موجودة في أكثر من 280 مدينة. وتوظف 200 ألف شخص وتوفر بشكل غير مباشر 3.8 مليون وظيفة. وعليه يمكن تصور حجم الفوضى التي ستحدث إذا ما انهارت شركة بهذا الانكماش الواسع.
تأتي الأزمة وسط محاولات من الرئيس الصيني شي جين بينج بإصلاح أوضاع الشركات في بلاده عبر الحد من تعاظم أحجامها، ومن بينها الشركات العقارية. وهذه السياسة تتبعها بعض الحكومات حول العالم، بما في ذلك في الدول المتقدمة. ويعتقد البعض أن الحكومة الصينية ربما تستغل تراجع أوضاع بعض الشركات العملاقة لتبدأ عملية الإصلاح رغم المخاطر التي ستتعرض لها سمعة الاقتصاد الصيني عبر انهيار شركات مرتبطة بساحات مصرفية وغير مصرفية واسعة. لكن يبدو أن هذا السيناريو ليس واردا في هذا الوقت بالذات، لأن الإصلاحات عبر استغلال المصاعب المالية لمؤسسة ما مرتبطة بالساحة الاقتصادية ككل، لها جوانبها السلبية على الساحة كلها. في كل الأحوال، فإن الوضع السيئ لمجموعة "كايسا" من عوارض سلبية في قطاع العقارات الصيني. ووسط اضطراب بعض هذه الشركات من كل الأحجام، تعرضت السوق نفسها إلى هزات ليست بسيطة، ولا سيما مع تراجع ملحوظ لأسعار العقارات على اختلاف أنواعها في الأشهر الماضية.
اللافت في قرار "كايسا" تعليق التداول على أسهمها، أنها لم تقدم أي تفسير لمثل هذه الخطوة، لكن أسهم هذه الشركة خسرت 15 في المائة من قيمتها في يوم واحد. وهذا أمر طبيعي في ظل الاهتزازات المالية التي تواجهها حاليا دون الإعلام عن أي توجهات في المدى القريب. والذي زاد الأمر سوءا توافق وكالتي التصنيف "فيتش" و"ستاندرد آند بورز" على أن تخفض درجة ملاءة "كايسا" المالية. والسبب يبقى دائما الشكوك في قدراتها على احترام مستحقات مقبلة.
لا شك أن الفترة المقبلة ستشهد تفاعلات أخرى جديدة في قطاع العقارات الصيني، إلا إذا تدخلت الحكومة عبر إنقاذ مباشر للشركات التي قد تواجه صعوبة في السداد. ولا يبدو أن هذا الأمر سيتم بسهولة، إلا إذا كانت هناك مخططات مستقبلية أخرى لوضعية الشركات العملاقة على الساحة الصينية.