اختلالات التضخم وجدلية الفائدة
في خطوات تبدو جدلية جدا لكنها مقنعة في الوقت الراهن، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي -البنك المركزي الأمريكي- الحفاظ على سعر الفائدة القياسي دون تغيير في نطاق من صفر إلى 0.25 في المائة، والجدلية في هذا الشأن تكمن في أن هناك تيارا واسعا، خاصة بين الأكاديميين يؤكد أن الحاجة إلى رفع الفائدة أصبحت ملحة، لتفادي خطر وقوع تضخم طويل الأجل. ومنطق هذا الفريق جاء على أساس أن إغلاق صنابير التدفقات النقدية للأسواق أصبح لزاما من أجل كبح الطلب المتنامي للسيولة الذي يرفع من حدة الأسعار، في ظل تعطل نسبي في آليات العرض أدت لاختلالات من عدة جوانب لعل أكثرها وضوحا تلك المشكلات التي تواجه قطاع الشحن الدولي سواء لتراكم الطلبيات التي لم تجد طريقها للشحن حتى الآن، أو لتعطل المصانع في كثير من الدول التي سمحت لها قواعد التجارة العالمية، واتجاهات العولمة أن تصنع أجزاء مهمة من أجهزة ذات طلب عالمي.
الاسئلة التي تتم مناقشتها الآن على صعيد واسع لفهم القرار الأمريكي هو ما نوع التضخم الذي يظهر لنا في كل السلع بدءا من الطاقة حتى المعيشة، في العالم أجمع؟، وهل هو مؤقت بسبب الاختلالات أم عميق طويل لاختلالات أساسية في هيكل الطلب والإنتاج العالمي؟. كل ما فعلته جائحة كورونا هو كشف هذه الاختلالات، ولذلك قرر المركزي الأمريكي تخفيض مشتريات سندات الخزانة التي تبلغ 120 مليار دولار الآن بمقدارعشرة مليارات دولار ومشتريات الأوراق المالية المدعومة برهون عقارية بمقدار خمسة مليارات دولار في كل من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي وكانون الأول (ديسمبر) المقبل، وهو يقصد من ذلك الحد من التدفقات النقدية للأسواق بطريقة منهجية، حيث يختبر ردة فعل الأسواق تجاه كل مرحلة حتى الوصول إلى الصفر بحلول من المشتريات خلال منتصف 2022، فهل يعني ذلك أن "الفيدرالي" لن يخفض الفائدة حتى ذلك الحين؟ هذا ما يجعل البعض قلقا بشأن مدى ثقة متخذي القرار بالمركزي الأمريكي بقراءة التضخم ومداه.
لفهم هذا الوضع نشرت "الاقتصادية" تقريرا ناقشت فيه عددا من الباحثين الاقتصاديين لاستجلاء الحالة الراهنة، وفهم الأسباب الكامنة خلف ارتفاع الأسعار الحالي، فهناك من يرى أن المشكلة لا تكمن في معدل التضخم لكن حول طبيعته في حقبة ما بعد الوباء مؤقتا أم دائما، وهذا رأي واحدة من المستشارين لرئيسة البنك المركزي الأوروبي التي أشارت إلى أن "الفيدرالي الأمريكي" يقاوم رفع أسعار الفائدة على أساس أن التضخم الراهن ناتج عن العقبات التي تواجه سلاسل التوريد، وأنه سينخفض لاحقا، لكن هذا لا يبدو واقعيا، على حد قولها، لأن "الفيدرالي" تناسى أعواما من سياسات التيسير الكمي التي سمحت بوجود سيولة مالية ضخمة في الأسواق الدولية، وترى أن المركزية التي يتمتع بها الاقتصاد الأمريكي دوليا، مكنته من نقل مشكلاته الداخلية إلى العالم الخارجي.
هذا الرأي له وجاهته على كل حال فالتضخم في معناه الواسع هو تناقص القوه الشرائية لوفرة النقد دون مراعاة القيود الاقتصادية لكميات النقد، والآن يتجرع العالم مرارة تلك القرارات من طباعة الورق النقدي لمعالجة اختلالات الاقتصاد الأمريكي، وفي هذا الرأي لا يبدو أن لكورونا علاقة بالتضخم غير أنه أسرع من كشف الستار عن مشكلة كانت ستأتي حتما.
هناك من يرى أن المشكلة في الشرق وليست في الغرب، وتحديدا في الصين وفي هذا السياق، يقول رجل أعمال بريطاني وعضو اتحاد الصناعيين في المملكة المتحدة في ثنايا تقرير "الاقتصادية": "إن بيانات المكتب الوطني للإحصاء في الصين تشير إلى أن أسعار المنتجين ارتفعت 10.7 في المائة عن العام السابق، متجاوزة بذلك التوقعات، حيث وصلت حتى الآن إلى أعلى مستوى لها منذ 26 عاما"، مضيفا بأن المنتجون في الصين يتغلبون على مشكلاتهم بتمرير ارتفاع تكلفة الإنتاج لديهم، إلى الأسواق الدولية نظرا لحاجة الأسواق إلى منتجاتهم بعد فترات طويلة من الإغلاق، باختصار "الصين لا تصدر السلع فقط إلى العالم، بل تصدر معها التضخم أيضا".
وفي هذا الشأن فإن بعض ممن استطلعت "الاقتصادية" آراءهم يعتقدون أن حديث الفيدرالي الأمريكي عن تضخم مؤقت يزيد الأمر سوءا بإيجاد شعور زائف بالأمل لدى المستهلكين من أنه سيتم التغلب على الارتفاع المستمر في الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة، ما يجعلهم أقل استهلاكا حاليا، ومن ثم يزيد من عملية الادخار الآن، ليزداد الطلب مستقبلا ويرفع الأسعار إلى مستويات قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية حقيقية خاصة، في حين يقول أستاذ التجارة الدولية في جامعة ليدز: "إن ارتفاع مستوى معيشة الصينيين أدى إلى زيادة الطلب الداخلي، وباتت هناك منافسة شرسة بين الطلبين المحلي والخارجي، ما يؤدي إلى جعل زيادة الأسعار مسألة مستدامة".
ومن خلال هذه الصورة المعقدة جدا، فإن وجهة نظر المركزي الأمريكي التي تشير إلى أن التضخم مؤقت لا تجد لها دعما من الاقتصاديين في العالم، ذلك أن العوامل التي أدت إلى التضخم أكثر وأشمل مما يحاول الفيدرالي معالجته، إذا كان التضخم مستداما فإنه سيمثل ضغطا على صناع القرار الاقتصادي خاصة في الدول الناشئة، وعليها أن تعمل جميعها من الآن نحو سيناريوهات متعددة لمواجهة المشكلة.