الصعود في أسعار الطاقة قد لا يتراجع بسرعة «2 من 2»
واقع الأمر أن مخزونات الفحم الاحتياطية الصينية تسجل حاليا مستويات منخفضة قياسية؛ ما يزيد من خطر نقص إمدادات الوقود لمحطات توليد الكهرباء في الشتاء. وفي أوروبا، أصبح مخزون الغاز الطبيعي دون المستوى المتوسط قبل حلول فصل الشتاء؛ ما يضيف إلى مخاطر ارتفاع الأسعار في ظل تنافس المرافق على الموارد الشحيحة قبل حلول الجو البارد.
على مستوى أسعار الطاقة والتضخم، فإنه غالبا ما يكون لأسعار الفحم والغاز الطبيعي تأثير أقل في أسعار المستهلكين، لأن فواتير استهلاك الأسر للكهرباء والغاز الطبيعي غالبا ما تكون خاضعة للتنظيم، والأسعار أقل مرونة. حتى مع ذلك، فإن منتجي القطاع الصناعي الذين يعتمدون على الوقود لصناعة الكيماويات أو الأسمدة يواجهون ارتفاعا في أسعار الغاز الطبيعي. وهذه الديناميكيات تدعو إلى القلق البالغ، إذ بدأت تؤثر في الآفاق التي يخيم عليها عدم اليقين بالفعل في ظل انقطاعات سلاسل الإمداد، وتصاعد أسعار الغذاء، وزيادة الطلب.
وإذا ظلت أسعار الطاقة على مستوياتها الحالية، فسترتفع قيمة إنتاج النفط العالمي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي هذا العام من 4.1 في المائة (حسب التقديرات التي تضمنتها توقعاتنا الصادرة في يوليو الماضي) إلى 4.7 في المائة. وفي العام المقبل، يمكن أن تصل النسبة إلى 4.8 في المائة مقارنة بنسبة 3.75 في المائة حسب توقعات تموز (يوليو). ومع افتراض أن نصف هذه الزيادة في تكاليف النفط والغاز والفحم يرجع إلى انخفاض الإمدادات، فمن شأن هذا أن يمثل انخفاضا قدره 0.3 نقطة مئوية في نمو الاقتصاد العالمي هذا العام، ونحو 0.5 نقطة مئوية في العام المقبل.
وبشأن عودة أسعار الطاقة إلى طبيعتها في العام المقبل، فإنه بينما تفرض انقطاعات الإمداد وضغوط الأسعار تحديات غير مسبوقة لعالم يعاني بالفعل في مواجهة تعاف متفاوت من الجائحة، فإن الأمر المشجع بالنسبة لصناع السياسات هو أن الموقف لا يشبه صدمة الطاقة التي حدثت مطلع سبعينيات القرن الماضي.
نعود إذن للنفط، فقد ارتفعت أسعاره أربعة أضعاف، وبعد نحو نصف قرن، نظرا لتراجع دور الفحم والغاز الطبيعي في الاقتصاد العالمي، سيتعين حدوث ارتفاع أكبر بكثير في أسعار الطاقة لكي تحدث مثل هذه الصدمة الحادة. وإضافة إلى ذلك، فإننا نتوقع عودة أسعار الغاز الطبيعي إلى مستوياتها العادية بحلول الربع الثاني من العام حين تخف الضغوط الموسمية مع نهاية الشتاء في أوروبا وآسيا، وهو ما تشير إليه أسواق العقود الآجلة أيضا. ومن المرجح أيضا أن تنخفض أسعار الفحم والنفط الخام. غير أن عدم اليقين لا يزال مرتفعا، وقد يؤدي وقوع صدمات صغيرة في الطلب، إلى إحداث قفزات جديدة في الأسعار.
وحول الخيارات الصعبة على صعيد السياسات، يعني هذا أن البنوك المركزية ينبغي أن تنظر بعناية في ضغوط الأسعار الناشئة عن صدمات إمداد الطاقة العابرة، مع التأهب في الوقت ذاته للتحرك بسرعة أكبر – خاصة في حالة البنوك المركزية ذات الأطر النقدية الأضعف – إذا تحققت مخاطر انفلات التوقعات التضخمية عن ركيزتها.
وينبغي أن تتحرك الحكومات لمنع انقطاعات الكهرباء في حالة قيام المرافق بخفض توليدها إذا تراجعت ربحية هذا النشاط. ذلك أن انقطاع التيار الكهربائي، خاصة في الصين، يمكن أن يضر بنشاط إنتاج الكيماويات والصلب والصناعة التحويلية؛ ما يضيف إلى انقطاعات سلاسل الإمداد العالمية أثناء موسم الذروة لمبيعات السلع الاستهلاكية. وأخيرا، فبما أن زيادة فواتير المرافق تنازلية، يمكن لدعم الأسر محدودة الدخل أن يساعد على تخفيف أثر صدمة الطاقة عن شرائح السكان الأشد تأثرا.