رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«أوبك +» .. أولويات وتحولات

يمر العالم أجمع بتحولات عميقة، ومتنوعة خاصة على المستوى الاقتصادي، وهذه التحولات تأتي نتيجة ضغوط مختلفة من بينها نتائج الأزمة المالية العالمية 2008، وأيضا جائحة كورونا، إضافة إلى تنامي مسألة التغيرات المناخية. هذه الأوضاع فرضت اليوم دخول مفهوم رأسمالية أصحاب المصلحة بدلا من مفاهيم عديدة من بينها أولوية مصالح المساهمين، وأيضا امتدت تأثيرات هذا المفهوم اليوم نحو إعادة تعريف آليات العرض، والطلب، ومدى الحاجة إلى التدخل الحكومي من أجل التأثير فيها، فلم تعد مفاهيم مثل حرية الأسواق كافية لتبرير ذلك، خاصة إذا أصبحت المسألة تتعلق بالاستقرار، والأمن، أو بصحة الإنسان، وعمره، على هذه الأرض.
ولعل ما تصدره اليوم دول مجموعة "أوبك +"، من قرارات تمس هذه القضايا جميعا من حيث إنها تراجع مستويات الإنتاج بحسب توازن أصحاب المصلحة بشموليتهم وليس المساهمين فقط في الشركات البترولية، ولا احتياجات الحكومات التنموية، بدءا من المنتجين، والمستهلكين، ويضاف لها مكافحة التغيرات المناخية.
لهذا فإن أي تعديل في مستويات الإنتاج لم يعد يأتي فقط لمجرد تعديل الأسعار لتناسب فئة دون أخرى، ولم تعد حقوق أولوية، ولا حتى رضا المستهلكين والمنتجين عن مستويات الأسعار، بل هو التوازن الدقيق بين كل هذه القضايا معا، توازن يحقق للمساهمين تعظيم العوائد على الاستثمار، لكن عند مستوى لا يؤثر في المستهلكين، وتحديد دقيق لمستويات الطلب العالمية، دونما إشباع للمخزونات لدرجة هبوط الطلب، وتحقيق أسعار عادلة تحفز الاستثمارات، والابتكارات، في مجال الطاقة، بمختلف أنواعها خاصة تلك الصديقة للبيئة، مع القيام بالمسؤوليات الكاملة تجاه التغيرات المناخية.
إن هذا التوازن المبني على مفهوم رأسمالية أصحاب المصلحة هو الذي يقود مجموعة "أوبك +" برئاسة الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة للاتفاق على الاستمرار في نهج زيادة إنتاجها للنفط بشكل معتدل وتدريجي بنحو 400 ألف برميل في اليوم.
وقد جاء هذا بوضوح في تصريحه عقب انتهاء الاجتماع الوزاري الـ22 لمجموعة المنتجين في "أوبك +"، عندما قال إن مجموعة "أوبك +" ليست مجموعة احتكارية، بل منتجين، ومنظمين للسوق وإننا على قناعة بتفعيل القرار الصحيح لمصلحة الجميع، لافتا النظر إلى أن "أوبك +" لديها ثلاث دعائم تحافظ عليها بقوة، تشمل النمو الاقتصادي، وأمن الإمدادات، ومكافحة تغير المناخ، وسيتم التعاون بشأنها مع كل الأطراف.
التمسك بقرار إضافة 400 ألف برميل يوميا هو الأفضل والأنسب حاليا رغم بعض المناشدات بزيادة الإنتاج من أجل تخفيض الأسعار نظرا لأن الأسعار قد تجاوزت 80 دولارا، لكن المسألة ليست أسعارا آنية قابلة للتقلب والتراجع في ظل حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وتوقعات بأن الربع الأول من عام 2022 سيشهد تباطؤا نسبيا في الطلب، إلى جانب إمكانية تراجع إمدادات النفط الخام لتوليد الكهرباء بفعل تنامي إنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر بديلة، بل المسألة متعلقة بمبدأ أصحاب المصلحة الذي يجعل اجتماع "أوبك +" يركز على الحصص واستقرار الاتفاقية وشفافية تطبيقها، فالحوكمة الجيدة للعمل تضمن وصول الجميع نحو قرار متزن بعيدا عن الضغوط الآنية للأسعار.
وعند دراسة جميع المصالح تبرز مصلحة المساهمين في ضرورة مساندة وتنشيط الاستثمارات، وتظهر مصلحة المستهلكين مع اقتراب الشتاء، ولذا فإن "أوبك +" تأخذ على عاتقها هذه المسائل في ظل قضايا أخرى مثل حالة البنية التحتية، وسلاسل التوريد، التي تشكل موقف الصناعة حاليا، وليس مستويات الإنتاج.
لهذا أشار نائب رئيس الوزراء الروسي، إلى أن قرار زيادة الإنتاج 400 ألف برميل يأتي مناسبا رغم أن الطلب قد تراجع فعليا في الاتحاد الأوروبي في تشرين الأول (أكتوبر)، نظرا لتأثير انتشار متغير دلتا من فيروس كورونا، وتقلبات السوق.
كما عد نائب الرئيس الروسي استراتيجية "أوبك +" بأنها استراتيجية ناجحة وحذرة وتراعي نمو المخزونات في بعض الدول أخيرا، لافتا إلى ضرورة استمرار الحوار حول مستجدات السوق والعمل المشترك نحو مواجهة التحديات، وهذه المبادئ الأساسية التي تحكم علاقات أصحاب المصلحة من حيث مراقبة جميع العوامل وليس أخذ جانب واحد فقط، وهو حجم الإنتاج في مقابل الأسعار ثم المطالبة بزيادة الإنتاج، دون مراعاة المصالح والعوامل المتضاربة كافة.
من المهم في هذا الشأن أن نلفت الانتباه إلى ما ذكره وزير الطاقة السعودي عن شفافية العمل في السوق النفطية، مقابل ضعف ذلك في سوق الغاز، وأن "أوبك +" تعمل وفق حوكمة فاعلة تضمن الحوار المفتوح بين جميع أصحاب المصلحة.
السعودية وهي ترأس مجموعة "أوبك +" تضمن العناية بمصالح جميع المنتجين والمستهلكين، وتسعى لترسيخ تنظيم وحوكمة قوية للسوق النفطية، تراعي جميع الظروف والمتغيرات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي