الصعود في أسعار الطاقة قد لا يتراجع بسرعة «1 من 2»
الصعود الحاد في أسعار الغاز الطبيعي يتغلغل تأثيره في أسواق الطاقة العالمية، وفي قطاعات اقتصادية أخرى بدءا من المصانع حتى المرافق، يتجمع الآن مزيج من العوامل غير المسبوقة التي تعكر الأجواء في أسواق الطاقة العالمية، وتعيد إلى الأذهان ذكريات أزمة الطاقة التي وقعت في سبعينيات القرن الماضي، وتزيد تعقيد آفاق التضخم والاقتصاد العالمي التي يغلب عليها عدم اليقين بالفعل.
فقد ارتفعت الأسعار الفورية للغاز الطبيعي بأكثر من أربعة أضعاف مسجلة مستويات قياسية في أوروبا وآسيا، وهي ارتفاعات سعرية حادة غير مسبوقة من حيث استمراريتها وبعدها العالمي. وكالعادة، تتسم هذه التحركات بالموسمية والتركيز المحلي. فعلى سبيل المثال، شهدت الأسعار الآسيوية قفزة مماثلة في العام الماضي، لكن تداعياتها لم تنتقل آنذاك مؤدية إلى ارتفاع مصاحب في أوروبا.
ونتوقع أن ترتد هذه الأسعار إلى مستويات أقرب إلى الطبيعية في مطلع العام المقبل حين ينحسر الطلب على الطاقة لأغراض التدفئة وتتعدل على أساسه الإمدادات. غير أنه إذا ظلت الأسعار على ارتفاعها المشاهد في الآونة الأخيرة، فقد يتحول الأمر إلى عبء معوق للنمو العالمي.
وفي الوقت نفسه، بدأ الشعور بالآثار المتوالية لهذه الأسعار في أسواق الفحم والنفط. فقد وصلت أسعار النفط الخام “برنت”، الذي يمثل المعيار العالمي أخيرا إلى مستوى لم تشهده منذ سبعة أعوام حيث تجاوز سعر البرميل نحو 85 دولارا، مع بدء أعداد متزايدة من المشترين في البحث عن بدائل لتوليد طاقة التدفئة والكهرباء في ظل نقص فعلي في الإمدادات. وهناك طلب مرتفع على الفحم، وهو أقرب بديل لهذا الخام النفطي، حيث يتزايد لجوء محطات توليد الكهرباء إلى استخدامه. وقد دفع هذا بالأسعار إلى أعلى مستوى لها منذ 2001، ما قاد بدوره إلى ارتفاع تكلفة ترخيص انبعاثات الكربون في أوروبا.
وبشأن ركود وازدهار وإمدادات غير كافية فبالنظر إلى هذه الخلفية، من المفيد أن نعود بالذاكرة إلى بداية الجائحة، حين عطلت القيود كثيرا من الأنشطة في مختلف قطاعات الاقتصاد. وأفضى ذلك إلى انهيار استهلاك الطاقة، ما أدى بشركات الطاقة إلى إجراء تخفيضات كبيرة في استثماراتها. غير أن استهلاك الغاز الطبيعي انتعش بسرعة مدفوعا بالإنتاج الصناعي، الذي يمثل نحو 20 في المائة من استهلاك الغاز الطبيعي، ما عزز الطلب في وقت كانت فيه الإمدادات منخفضة نسبيا.
والواقع أن رد فعل إمدادات الطاقة كان بطيئا تجاه الإشارات السعرية نتيجة لنقص العمالة، وتراكم أعمال الصيانة المتأخرة، وزيادة طول الفترة المسبقة التي تستلزمها المشاريع الجديدة. فإنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا يزال دون مستويات ما قبل الأزمة، إضافة إلى انخفاض الإنتاج في هولندا والنرويج أيضا. كذلك تباطأت الشحنات من أكبر مورد لأوروبا، وهو روسيا.
وأدت الأحوال الجوية أيضا إلى تفاقم اختلالات سوق الغاز. فقد زاد الطلب على التدفئة والتبريد من جراء برد الشتاء القارس وحر الصيف الشديد في نصف الكرة الشمالي. وفي الوقت نفسه، انخفض توليد الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة والبرازيل بسبب موجات الجفاف، ما كبح إنتاج طاقة المياه من جراء انخفاض منسوب الخزانات، وكذلك بسبب انخفاض توليد الطاقة من الرياح في أوروبا الشمالية إلى مستوى دون المتوسط في صيف وخريف هذا العام.
وحول إمدادات الفحم ومخزوناته، فبينما يمكن أن يساعد الفحم على تعويض النقص في الغاز الطبيعي، فإن بعض هذه الإمدادات تعرضت للانقطاع أيضا. فالعوامل اللوجستية أو المتعلقة بالطقس أحدثت شللا في إنتاج أستراليا وجنوب إفريقيا، بينما هبط إنتاج الفحم في الصين، أكبر منتج ومستهلك للفحم في العالم، في ظل أهداف الانبعاثات التي لا تشجع استخدام الفحم وإنتاجه، بينما تحفز على استخدام مصادر الطاقة المتجددة أو الغاز.