اقتصادات الخليج ومؤشرات الإصلاحات
حققت دول الخليج خطوات واسعة على صعيد مؤشرات الإصلاحات الاقتصادية، ما أسهم في امتصاص الآثار السلبية التي جلبتها جائحة كورونا. بالطبع هناك تفاوت بين دولة وأخرى بحسب برامج التنمية والمخططات الاستراتيجية التي وضعتها، لكن في المحصلة النهائية هذه الدول استطاعت خلال الأعوام الماضية أن تمضي في مسارات تنموية مكنتها من الوقوف أمام أي تحولات أو متغيرات اقتصادية.
ولا شك أن الثقة باقتصادات دول الخليج استمرت قوية حتى خلال أوقات أزمة كورونا، رغم الوضع الاستثنائي، الأمر الذي أسهم في رفع المسارات الاقتصادية الوطنية المختلفة بمزيد من الدعم، بصرف النظر مرة أخرى عن التفاوت الملحوظ بين هذه الدول أو تلك، وهذا أمر طبيعي.
وما توصلت إليه وكالة "فيتش" العالمية للتصنيف الائتماني أخيرا من نتائج، يدعم الواقع العام على الساحة الخليجية، فالوكالة توقعت أن تشهد دول الخليج تقلصا كبيرا في نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، وهذا ما تتمناه أي دولة في العالم، خصوصا بعد أن شكل العجز المالي سمة هذه المرحلة على مستوى العالم، وانعكس هذا الوضع ليشكل ارتفاعات كبيرة في الديون السيادية، إلى درجة أنها فاقت حجم الناتج المحلي في كثير من الدول بينها دول متقدمة.
تقلص العجز المالي بصورة كبيرة على ساحة دول مجلس التعاون سيزيد من وتيرة النمو، ويدفع نحو مزيد من التطوير الاقتصادي، المتمثل أساسا في تنويع مصادر الدخل، عبر آليات جذابة، وتشريعات، وتسهيلات مرنة، ورؤى تأخذ في الحسبان استحقاقات المستقبل. هناك مجموعة من العوامل التي تسهم في تقليص نسبة العجز إلى الناتج المحلي الخليجي، في مقدمتها أسعار النفط التي شهدت قفزات كبيرة في الفترة الأخيرة، إلى جانب زخم الإصلاحات الاقتصادية، والتنموية الحقيقية التي تتم، فضلا عن الاستقرار السياسي، وهذه العوامل تعد العنصر المهم في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد توترا تاريخيا كما هو معروف، ومشكلات متفاعلة دائما.
ولذلك، فإن دول الخليج تتمتع بكثير من المزايا التي توفر لها قوة دفع على الساحة الاقتصادية، إلى جانب ذلك، يمكن إضافة عامل مهم يتعلق بنجاعة التحول الذي لا يزال يجري على الساحة من جهة تنويع مصادر الدخل، خصوصا في الدول التي كانت تعتمد بصورة أساسية على النفط كمصدر للدخل القومي. ولا شك أن المسارات الاقتصادية الخليجية عادت إلى طبيعتها في أعقاب تخفيف القيود التي فرضتها كورونا، ما دفع النمو إلى الأعلى، فقد تمكنت المملكة العربية السعودية على سبيل المثال من تعديل النظرة المستقبلية لتصنيفها الائتماني لإصلاحاتها الاقتصادية الكبيرة، إلى جانب طبعا الإجراءات المناسبة لاحتواء فيروس كورونا والحد من تداعيات الجائحة بشكل عام.
كما أن السعودية كانت من الدول القليلة في العالم التي تمكنت من تعديل التصنيف حتى في عز ضربات الأزمة الاقتصادية الناجمة عن كورونا، ونجحت في الالتزام بضبط الأوضاع المالية العامة، بل تمكنت من تطويرها أيضا خلال الفترة الحرجة، وكل هذا وفر الأدوات اللازمة لضمان نمو مرتفع فيها خلال العام الجاري، بعد انكماش ساد العام الماضي. بالطبع الضغوط على المالية العامة لدول الشرق الأوسط ستتراجع أيضا هذا العام، لأسباب عديدة مرتبطة معظمها بعودة الحراك الاقتصادي فيها إلى الدوران، واستعادة التجارة العالمية نشاطها، فضلا عن انتعاش القطاع السياحي الذي يمثل محورا رئيسا في اقتصاداتها. وعلى هذا الأساس، سيكون العام الجاري نقطة انطلاق جديدة نحو التعافي النهائي المدعوم بنمو وتيرته متوازنة، مع توقعات بنمو جيد أيضا في العام المقبل.