الضرائب الأمريكية .. بايدن مجبر على السير بخطى صغيرة على طريق الإصلاح المالي

الضرائب الأمريكية .. بايدن  مجبر على السير بخطى صغيرة على طريق الإصلاح المالي

دون باير، مشرع ديمقراطي (71 عاما) من ولاية فرجينيا الشمالية، يمثل أحد أكثر مناطق الكونجرس ازدهارا في أمريكا، كان يضغط لأسابيع ودون أي مخاوف من أجل فرض ضرائب أعلى على أصحاب الثراء الفاحش.
لذلك يمكنه أخيرا تنفس الصعداء عندما تبنى جو بايدن الأسبوع الماضي ضريبة إضافية جديدة على دخل أصحاب الملايين الذين يكسبون أكثر من عشرة ملايين دولار سنويا، في إطار خطة حل وسط لتمرير أجندة إنفاق الرئيس الأمريكي البالغة 1.75 تريليون دولار.
باير – وهو مالك سابق لوكالة لتجارة السيارات عمل أيضا سفيرا لدى سويسرا – قال لـ"فاينانشيال تايمز" إن فرض ضريبة، "لن يغير شيئا في أسلوب حياتهم، وسعادتهم، وطول أعمارهم (...) وبلادهم تكسب من ذلك".
إذا وافق الكونجرس على الضريبة الجديدة التي ستفرض على أصحاب الملايين من أغنى العائلات والأفراد الأمريكيين – في هذه الحالة أعلى 0.02 في المائة من دافعي الضرائب – ستكون اعترافا بتحول كبير نحو اليسار داخل الحزب الديمقراطي بشأن السياسة المالية في الأعوام الأخيرة. وستجمع ما يصل إلى 230 مليار دولار.
منذ الأزمة المالية العالمية، وبسبب الجائحة، دعم عدد متزايد من الديمقراطيين، بمن فيهم بايدن، فرض ضرائب أكثر قوة على العائلات الثرية والشركات الضخمة، مدعومين باستطلاعات رأي تظهر دعما واسعا لهذه الإجراءات في أوساط الجمهور الأمريكي.
يرى الديمقراطيون في فرض ضرائب أعلى على الأثرياء وأكثر الشركات ربحا، وسيلة لتقليل تركيز الدخل في أيدي فئة بعينها ووسيلة أيضا لتقليل عدم المساواة العرقية المترسخ وتقوية هيكل الاقتصاد الأمريكي. لكنهم يريدون أيضا استخدام الإيرادات لتمويل استثمارات الحكومة الرئيسة ـ في حالة بايدن خطته الواسعة لـ"إعادة البناء بشكل أفضل" بما في ذلك تدابير لمكافحة تغير المناخ وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي.
قال الرئيس الأمريكي قبل توجهه إلى روما لحضور قمة مجموعة العشرين الأسبوع الماضي، "لا أريد أن أعاقب نجاح أي أحد. أنا رأسمالي"، مضيفا، "كل ما أطلبه هو، ادفع حصتك العادلة. ادفع حصتك العادلة. ادفع حصتك العادلة. والآن، كثير منهم لا يدفعون شيئا تقريبا".
لكن على الرغم من الإدراج المحتمل لضريبة أصحاب الملايين في الحزمة الاقتصادية النهائية، أدرك الديمقراطيون في الأسابيع الأخيرة الحقائق المحيرة التي تدور حول تمرير مزيد من الزيادات الضريبية الكاسحة من خلال الكونجرس.
أراد بايدن وفريقه الاقتصادي في البداية تحقيق الجزء الأكبر من الإيرادات لأجندته الاقتصادية من خلال تفكيك السمات الأساسية لخطة تخفيض الضرائب لعام 2017 التي وضعها دونالد ترمب، برفع معدلات ضريبة الدخل على الأفراد الأثرياء والشركات، فضلا عن فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية.
عندما حضرت ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وهي مشرعة عن نيويورك، حفل عشاء في متحف متروبوليتان للفنون الشهر الماضي مع كلمات "افرضوا الضريبة على الأثرياء" مكتوبة بأحرف حمراء على فستانها الأبيض، بدت هذه الأهداف قابلة للتحقق. لكن هذا الجهد انهار الأسبوع الماضي بسبب رفض كريستن سينما، وهي سيناتورة ديمقراطية معتدلة من ولاية أريزونا، ما أجبر مسؤولي الضرائب في البيت الأبيض وأولئك الذين يكتبون قانون الضريبة في الكونجرس على العثور على بدائل.
لبضعة أيام، نظر الديمقراطيون بجدية في فرض ضريبة جديدة على المكاسب غير المحققة "المكاسب على الورق" لما يقارب 700 ملياردير أمريكي، أمثال جيف بيزوس وإيلون ماسك، في محاولة لتغطية تكلفة خطط بايدن للإنفاق – وهو أمر مختلف عن فكرة ضريبة الثروة التي تم اقتراحها من قبل إليزابيث وارين، وهي سناتورة عن ولاية ماساتشوستس، خلال محاولتها الفاشلة للفوز في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي لعام 2020.
تم إنهاء الإجراء المتعلق بالمليارديرات في غضون ساعات من اقتراحه رسميا من قبل رون وايدن، رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ. قال جو مانشين، السيناتور الديمقراطي المهم عن ولاية وست فرجينيا، إنه لا يحب مفهوم "أننا نستهدف أشخاصا مختلفين" في ضريبة المليارديرات.
كان رد فعل ماسك غاضبا أيضا. أشار إلى أنه لن يمر وقت طويل قبل أن يستهدف الآخرون أيضا بضرائب أعلى. "في النهاية، ستنفد أموال الآخرين ثم يأتون من أجلك"، كما غرد الرئيس التنفيذي لشركة تسلا.
يقول بيل جيل، رئيس وحدة السياسة الاقتصادية الفيدرالية في معهد بروكينجز في واشنطن، "يبدو أن كثيرا من الزيادات الضريبية على الأثرياء قد اختفت من الحزمة. هناك بعض البدائل (...) لكنها تبدو ضعيفة مقارنة بمجموعة المقترحات الأصلية".
وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على مدى العقدين الماضيين انخفضت نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة من 28.3 في المائة في عام 2000 إلى 24.5 في المائة في عام 2019، بينما ارتفع المتوسط بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة بشكل طفيف خلال الفترة نفسها. ولا يزال أعلى كثيرا من المستويات الأمريكية.
خلال إدارتي جورج دبليو بوش وترمب، مرر الجمهوريون بشكل مريح حزم التخفيضات الضريبية على نطاق واسع باستخدام أغلبيتهم في الكونجرس، حتى لو زادوا العجز الأمريكي بشكل حاد.
لم يحاول باراك أوباما متابعة إجراء تغييرات رئيسة لقانون الضرائب في اتجاه تصاعدي بشكل جدي حتى فات الأوان، بعد هزائم الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي لعام 2010، معطيا الأولوية للرعاية الصحية وإصلاحات "وول ستريت". بايدن يحاول ويكافح لفعل ذلك الآن.
تقول ميشيل هولدر، رئيسة مركز واشنطن للنمو العادل، وهو مؤسسة فكرية، "ربما لسنا مستعدين تماما بعد لدعم إصلاح واسع النطاق للنظام الضريبي. لكن ربما قد تكون هذه خطوة صغيرة في هذا الاتجاه".
أحد أكثر المشكلات الشائكة بالنسبة لبايدن هي أن بعض الديمقراطيين المعتدلين كانوا يدفعون في الاتجاه المعاكس، منادين بتخفيف العبء الضريبي عن الأثرياء من خلال إلغاء الحد الأقصى للتخفيضات الضريبية الحكومية والمحلية التي أدخلها ترمب، التي تؤثر في الأغلب على الديمقراطيين والولايات الثرية مثل نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا.
في غضون ذلك، هاجم النقاد الجمهوريون بايدن فيما يتعلق بجوهر الزيادات الضريبية المقترحة – تلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي في وقت يواجه فيه تحديات أخرى من اختناقات سلسلة التوريد إلى التضخم المرتفع – وفيما يتعلق بالعملية التشريعية الفوضوية المحيطة بها.
تقول أنطونيا فيرير، وهي مساعدة (جمهورية) سابقة في اللجنة المالية في مجلس الشيوخ والآن في مجموعة سي جي سي إن الاستشارية، "هذه مجرد حقيبة من الأفكار نصف المخبوزة لمعرفة كيفية إدارتهم لأحد أكبر التوسعات الحكومية منذ الستينيات. يدفعهم اليأس لمحاولة العثور على أي فكرة يمكن أن تكون مستساغة لأغلبيتهم الضئيلة".
كان الديمقراطيون يأملون على الأقل أن يكونوا قادرين على رفع ضريبة دخل الشركات إلى 25 في المائة، من مستوى 21 في المائة الذي تم تخفيضها إليه في عهد ترمب. عندما تعثر ذلك الشهر الماضي، اختاروا وضع حد أدنى للضريبة المحلية بـ15 في المائة على الدخل "الدفتري" المبلغ عنه للمساهمين، ما يجعل من الصعب على الشركات استخدام الإعفاءات الضريبية والثغرات لخفض فاتورتها بشكل كبير. تقول هولدر، "على الأقل هناك حد أدنى لا تستطيع الشركات بعده ببساطة الهروب من دفع شيء ما".
كما كشفوا النقاب عن ضريبة بـ1 في المائة على عمليات إعادة شراء الأسهم من قبل الشركات الأمريكية الكبرى، لتثبيط إعادة الأموال للمستثمرين عوضا عن ضخها في الشركة أو زيادة أجور العمال. وعلى الجبهة الدولية، تتضمن خطة بايدن الجديدة وضع حد أدنى لضريبة بـ15 في المائة على الأرباح العالمية، لتنسجم مع اتفاق تاريخي تم التوصل إليه هذا العام في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الضرائب على الشركات الدولية.
على الرغم من أن الشركات الأمريكية كانت قادرة على الحفاظ على معدل ضريبة الدخل بـ21 في المائة، إلا أن بيزنز راوندتيبل، وهي مجموعة ضغط للشركات الكبرى، انتقدت خطة بايدن. قالت على لسان جوش بولتن، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذه الإجراءات "ستؤدي إلى تفاقم العيب التنافسي الخطير الذي تواجهه الشركات الأمريكية مقارنة بمنافسيها الأجانب، الذين لا يدفع أي منهم حدا أدنى من الضرائب على الأرباح في الخارج".
إذا تمت الموافقة على حزمة بايدن، التي لا تزال مسألة مفتوحة، سيتعين على عديد من التقدميين قبول أن الخطة الضريبية ستكون أضعف بكثير مما كانوا يتصورون أو يأملون قبل بضعة أشهر فقط.
ألقت وارن باللائمة في النكسات على أعضاء جماعات الضغط الذين احتشدوا في مكاتب الكونجرس، لكنها قالت إنها لا تزال تأمل أن يكون هناك يوما ما حملة ضريبية أوسع على الشركات الثرية والكبيرة.
قالت لمحطة إم إس إن بي سي الإخبارية، "أصوات المليارديرات أعلى بكثير من أصوات أي شخص آخر. (لكن) أعتقد أننا وصلنا أخيرا إلى نقطة لا يقول فيها الأمريكيون كفى فحسب، بل ربما نجعل الناس في الكابيتول هيل يقولون كفى".
يقول باير إن الديمقراطيين انتهى بهم الأمر ببساطة "لنوع مختلف من النهج التقدمي" عما كان متصورا في الأصل – "نهج يركز بشكل أكبر على الشركات الأكثر ثراء ونجاحا" – في حين أن الخطة الأصلية التي تعتمد على رفع المعدلات كانت "ستؤثر في عدد أكبر بكثير من الناس" لكن بدرجات أقل. من شأن ضريبة أصحاب الملايين المتعددة فرض ضريبة إضافية 5 في المائة على الدخل الذي يزيد على عشرة ملايين دولار وضريبة إضافية 3 في المائة على أولئك الذين تزيد ثروتهم عن 25 مليون دولار – وستنطبق على الدخل المكتسب وكذلك على الدخل الاستثماري. إضافة إلى ذلك، يقترح الديمقراطيون زيادة التمويل لخدمة الإيرادات الداخلية من أجل فرض قوانين الضرائب الحالية على الأثرياء بقوة أكبر. بالنسبة لبعض الاقتصاديين ذوي الميول اليسارية والمساعدين الديمقراطيين ومسؤولي البيت الأبيض، فإن البنود الجديدة والمتبقية في الخطة كافية للاحتفال – للوقت الحالي.
يقول نيكو لوسياني، مدير برنامج قوة الشركات في معهد روزفلت، "إنه لا يتعامل مع الثروة المتوارثة الهائلة في اقتصادنا. فهو لا يقلل بشكل جدي من التفاوتات الهيكلية في قانون الضرائب، سواء كانت عرقية أو جندرية أو اقتصادية. لكن إذا عدت إلى الوراء وفكرت في هذا كما تم اقتراحه بالفعل، بحسبانه عامل جمع تدريجي للإيرادات لبعض الاستثمارات العامة الكبيرة جدا (...) فإنها خطوة مهمة جدا للأمام".

الأكثر قراءة