مسارات متنوعة تمضي متوازنة
خطا القطاع غير النفطي خطوات حثيثة لدعم نمو الاقتصاد السعودي، وذلك وفق الخطط التي رسمت، ووضعت، من أجل تحقيق المستهدف في هذا الجانب، ولذلك حقق نتائج إيجابية قياسية خلال الفترة الأخيرة. كل تقدم على صعيد تنويع مصادر الدخل، وكل خطوة في مجال مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، هي نتاج مباشر لاستراتيجية البناء الاقتصادي لرؤية المملكة العربية السعودية 2030، فقد وضعت النمو على رأس أولوياتها، والتحول الاقتصادي برمته يعتمد على أدوات جديدة مختلفة تماما عن تلك التي كانت تؤطر الحراك الاقتصادي سابقا، وفي مقدمة هذه الأدوات فتح القطاعات غير النفطية أمام الاستثمارات المحلية والخارجية، وتدعيم هذه القطاعات بسلسلة متجددة من القوانين الداعمة لها، فضلا عن المبادرات المعززة، إلى جانب مسار الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص في المملكة، أي أن الأرضية التي يقوم عليها الحراك غير النفطي بدأت في الواقع قوية وثابتة، وتدعم بصورة مستمرة.
ولأن الأمر كذلك، فإن الارتفاع المطرد لمساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، يأتي طبيعيا، فقد نما في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي للشهر الـ14 على التوالي، كما أن الإنتاج زاد بأعلى معدل له ووتيرة منذ كانون الأول (ديسمبر) 2017، ما يعزز قوة مسار القطاع نحو تحقيق أهداف محددة. اللافت في هذا المسار، أن القطاع غير النفطي يتعافى بوتيرة سريعة من الآثار الاقتصادية السلبية التي خلفها وباء كورونا على الساحة العالمية، وهذا يعزز الدعم للنمو المطلوب خلال الفترة المقبلة، فالنمو صار هدفا رئيسا لكل الاقتصادات شرقا وغربا، من أجل تقليل آثار الانكماش التي أصابتها في العام الماضي، أو عام الجائحة. النقطة اللافتة الأخرى، هي أن إنتاج القطاع غير النفطي في السعودية بلغ أعلى مستوياته منذ سبعة أعوام.
في عام 2019 الذي سبق عام الوباء، نما القطاع غير النفطي السعودي 3.3 في المائة بالأسعار الحقيقية، حيث أظهرت بيانات الإيرادات المالية في الأعوام الماضية، مدى فاعلية الحراك نحو تقليل الاعتماد على النفط في ميدان الإنفاق العام. وحتى في الربع الأول من العام الجاري، الذي تلا عام الأزمة، حقق هذا القطاع نموا 2.9 في المائة، ما يعزز أيضا الخطوات نحو التعافي بشكل عام، فضلا عن دفع مسيرة تحقيق التنمية المستدامة الشاملة.
المشاريع التي طرحها صندوق الاستثمارات العامة مثلا، تسهم مباشرة في تمكين القطاع غير النفطي، وتثبيت الاستدامة والتنوع للاقتصاد السعودي، فالاقتصاد غير النفطي حقق نموا مرتفعا في النصف الأول من العام الجاري بلغ 5.4 في المائة، في حين ارتفعت الإيرادات العامة في الفترة نفسها 39 في المائة. ولا شك في أن مساهمة القطاع الخاص في هذا الميدان ترتفع يوما بعد يوم، عبر المحفزات المختلفة، وهذا أيضا يعد جزءا أساسيا في الخطة الاقتصادية الشاملة.
وفي الفترة الماضية، تعاظمت النظرة المستقبلية الإيجابية للشركات السعودية غير النفطية الخاصة، خصوصا مع تعليق الآمال على توقعات بتحسن إضافي في الطلب، حيث يرجح أن تشهد المرحلة المقبلة ارتفاعا واضحا لطلبات العملاء، مع استمرار وتيرة النشاط الاقتصادي عموما، بسبب رفع القيود الاحترازية التي فرضت سابقا بسبب الجائحة العالمية الخطيرة. الأجواء العامة للشركات الخاصة في السعودية تتسم بالإيجابية بعد مرحلة الوباء العالمي، بينما لا تزال النظرة متشائمة لمثل هذا النوع من الشركات على الساحة الغربية، ولذلك فإن مرحلة النمو في السعودية بدأت بقوة بعد كورونا على مختلف الساحات، ما يمحو ويزيل كل الآثار التي تركها الانكماش في العام الماضي. مسار التنوع في الدخل الوطني يمضي قدما وبقوة، ما يكرس استراتيجية البناء الاقتصادي عموما، ويقوي المناعة الاقتصادية ضد أي مؤثرات مهما بلغت قوتها.