خطر الصراع على المياه آخذ في الازدياد

خطر الصراع على المياه آخذ في الازدياد

"حروب القرن الـ21 ستكون حول المياه، ما لم نغير الطريقة التي ندير بها المياه". هذا البيان أدلى به إسماعيل سراج الدين، نائب رئيس البنك الدولي، في 2009.
لم يشهد العالم بعد حرب المياه الأولى التي لا لبس فيها. لكن المخاوف بشأن الروابط بين الصراع وإمدادات المياه لم تختف. إذا كان هناك أي تغير فإنها تصبح أكثر حدة فقط.
تم ذكر جذر المشكلة ببساطة وهو أن عدد سكان العالم يتزايد وكذلك الطلب على المياه. وفي الوقت نفسه، يتم استنفاد إمدادات المياه العذبة بسبب تغير المناخ والتنمية الاقتصادية. وكما يقول براهما تشيلاني، مؤلف كتاب "الماء والسلام والحرب": "هناك نقص متزايد في إمدادات المياه العذبة، وأن ما يقارب ثلثي سكان العالم يعيشون في ظروف إجهاد مائي".
غالبا ما تكون المناطق الأكثر تعرضا للإجهاد المائي هي تلك التي شهدت بعضا من أسرع معدلات النمو السكاني. نما عدد سكان تشاد من 3.6 مليون في 1970 إلى 16.4 مليون اليوم. لكن خلال الفترة نفسها، جفت تماما بحيرة تشاد - التي تقع أيضا على حدود نيجيريا والنيجر والكاميرون.
كانت النتائج مدمرة لنحو 30 مليون شخص اعتمدوا على البحيرة للحصول على إمدادات المياه العذبة. شهد المزارعون المحليون تدمير سبل عيشهم. يربط عديد من المحللين ارتباطا مباشرا بين زيادة ندرة المياه في المنطقة وصعود جماعة بوكو حرام المتطرفة، التي أرهبت معظم شمالي نيجيريا والمنطقة المحيطة به.
أصبح عدم الاستقرار في منطقة الساحل في إفريقيا - الكثير منه مرتبطا بالتصحر - يمثل الآن صداعا أمنيا تمتد تداعياته إلى أوروبا. وتشن فرنسا حربا فاشلة ضد المتطرفين في منطقة الساحل منذ 2013.
يخشى الفرنسيون والأوروبيون الآخرون من أن ظهور الدول الفاشلة والحركات الإرهابية في المنطقة سيكون له مزيد من الآثار غير المباشرة في أوروبا. إذا وجد الناس أن الحياة غير محتملة بشكل متزايد في منطقة الساحل، فسيقوم كثيرون بالرحلة شمالا ومحاولة العبور إلى أوروبا. أصبحت الهجرة غير الشرعية من إفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا الآن القضية الساخنة بالنسبة لليمين المتطرف في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
المخاوف بشأن ندرة المياه تمتد عبر القارة. إنها نقطة اشتعال محتملة بين مصر وإثيوبيا - كلا البلدين اللذين يزيد عدد سكانهما عن 100 مليون نسمة قلق بشكل متزايد بشأن إمدادات المياه الخاصة به. يهدف بناء إثيوبيا لسد النهضة الكبير على النيل إلى مضاعفة إمدادات الكهرباء في البلاد. لكنه تسبب حالة من الذعر في مصر – التي تعد مياه النيل تاريخيا شريان الحياة للأمة. المصريون غير مستعدين لقبول التطمينات الإثيوبية بشأن إمدادات المياه الخاصة بهم - بل إن بعضهم في مصر دعا إلى تفجير السد.
هناك توترات متصاعدة مماثلة بين الصين والهند بشأن حقوق المياه وبناء السدود. كما قال تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في نيودلهي: "تنبع جميع الأنهار الرئيسية في آسيا تقريبا من هضبة التبت، وتقوم الصين ببناء بنية تحتية مائية واسعة النطاق لجعل نفسها المتحكم في المياه من المنبع".
في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الهند والصين، فإن القلق في نيودلهي هو أن الصين قد تسعى إلى استخدام الوصول إلى المياه "قبضة خانقة" على عنق الهند. لكن الهند نفسها مصدر قلق لبنغلادش المجاورة التي تشعر بالقلق على قدرتها على الوصول إلى مياه الأنهار التي تنبع من الهند.
الوضع في بنجلادش يسلط الضوء على إحدى المفارقات حول إمدادات المياه والمسائل الجيوسياسية. تشعر الدولة، في آن معا، بالقلق من قلة المياه ومن كثرتها. تشكل ندرة المياه العذبة تهديدا للإمدادات الغذائية في واحدة من أكثر البلدان كثافة سكانية في العالم. لكن ارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن تغير المناخ يهدد بجعل أجزاء كبيرة من البلاد غير صالحة للسكن في العقود المقبلة.
من المرجح أن يصبح ارتفاع مستوى سطح البحر مصدرا جديدا للصراع الجيوسياسي، لأنه قد يحث على الحركة الجماعية للناس عبر الحدود حين تصبح المناطق المكتظة بالسكان غير صالحة للسكن. في تموز (يوليو) الماضي كتب ديفيد كينج، كبير المستشارين العلميين السابق للحكومة البريطانية: "جنوب شرقي آسيا يواجه خلال 30 عاما فقط خطر فقدان أربع مناطق صالحة للعيش. من المتوقع الآن أن يتعرض 90 في المائة من فيتنام إلى فيضانات تغمره بمياه البحر مرة واحدة كل عام. عندما تغمر مياه البحر إحدى المناطق في دلتا ميكونج (...) سيعني ذلك أنها لم تعد صالحة لإنتاج الأرز. وهذه واحدة من أكبر البلدان المنتجة للأرز في العالم".
في الوقت نفسه، تتعرض العاصمة الإندونيسية جاكرتا لخطر ندرة المياه العذبة وارتفاع منسوب مياه البحر. يتسبب النضوب المستمر للمياه الجوفية في غرق المدينة - وغرق جزء كبير منها في أعقاب هطول الأمطار الغزيرة في وقت سابق من هذا العام. وفي الوقت ذاته، يهدد ارتفاع مستوى سطح البحر قابليتها للبقاء على المدى الطويل. يتوقع كينج أن: "جاكرتا لن تكون مدينة صالحة للعيش في غضون 30 عاما".
الحديث عن حروب المياه هو الذي يشكل رؤية الدول التي تقاتل للسيطرة على موارد المياه الشحيحة بشكل متزايد. هذا بالتأكيد احتمال خطير. لكن التهديد الأكبر للأمن العالمي قد يكون اليأس المتزايد للشعوب - من إفريقيا جنوب الصحراء إلى جنوبي آسيا - التي تعاني نقص المياه، أو ارتفاع منسوب مياه البحر، أو كليهما.

الأكثر قراءة