رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لا ثقة بغياب الحوكمة

لاتزال الأدلة تتراكم على مستوى العالم، حول إهدار الأموال بسبب الفساد ففي دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن التدفقات المالية غير المشروعة، تبين أن هناك زيادة في التدفقات المالية السائبة في البلدان الأقل نموا من 9.9 مليار دولار في 1999 إلى أكثر من 23 مليار دولار في 2008، ويوضح تقرير صادر عن منظمة النزاهة المالية العالمية أن الاقتصادات الناشئة فقدت ما يزيد على 7.8 مليار دولار بين عامي 2013 و2015، مع زيادة بمعدل 3.3 في المائة سنويا - أي بارتفاع يتجاوز النمو في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول.
وتعرف منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه إساءة لاستخدام السلطة المخولة لتحقيق مكاسب خاصة، وقد يصنف الفساد إلى كبير وبسيط وسياسي بناء على قيمة المبالغ المفقودة والقطاع الذي يحدث فيه، بينما يعرفه البنك الدولي بأنه إساءة استخدام الأموال العامة أو السلطة لتحقيق مكاسب خاصة أو سياسية، على هذا الأساس فإن الفساد يعني إساءة استخدام الأموال العامة لتحقيق مكاسب خاصة، ولأن الشخص الفاسد يقدم مصالحه على مصالح العموم فإنه يرتكب عديدا من الجرائم غير المباشرة التي تتسبب في إهدار الأرواح والتسبب في مشكلات اجتماعية وسياسية خطيرة، وهنا أكدت جائحة كورونا أن الفساد قد تسبب في هدر كبير في الأموال التي تم تخصيصها لصحة المجتمع في عديد من الدول ما فاقم من حجم الكارثة، حيث لم تكن معظم تلك الدول قادرة على مواجهة آثار الجائحة وتوفير المستلزمات الصحية من الأسرة الكافية وأسطوانات الأكسجين اللازمة لإنقاذ الحياة فضلا عن توفير اللقاحات وتوزيعها بشكل عادل، ونظرا لأن الآثار الخطيرة لهذه الكارثة الإنسانية لم تكن محصورة في بلد دون آخر، فقد كان لزاما أن تتضافر الجهود الدولية من أجل إنقاذ البشرية جميعا من هذا الوباء الخطير.
وفي هذا الصدد نبه عديد من الجهات والمنظمات الدولية من بينها صندوق النقد والبنك الدوليان لخطورة هذا الوباء مبكرا وكانت الرسالة واضحة من هذه الجهات بشأن أهمية تنسيق دولي لمواجهة هذا الخطر الداهم، ومن بين تلك الإجراءات التي تم اتخاذها تقديم دعم للدول الأقل نموا، كما تم تعليق خدمات الدين، وتقديم فترات سماح طويلة إضافة إلى شطب الدين عن الدول الفقيرة من أجل استخدام تلك الأموال لمواجهة الوباء، لقد كانت الصورة مثالية تماما، تتمثل في تعاون وتضامن دولي كبير من أجل إنقاذ العالم من الوباء، لكن مشكلة الفساد ظلت تشوه تلك الصورة، وتهدد نتائج تلك الجهود الجبارة.
وطبقا لتقرير نشرته "الاقتصادية" أخيرا بين أن صندوق النقد الدولي ضمن مبادرة دعم الدول الفقيرة قدم قروضا عاجلة بقيمة 118 مليار دولار إلى 87 دولة لمساعدتها على تجاوز الأزمة، لكنه اشترط حينها الاحتفاظ بفواتير إنفاق الأموال، في إشارة إلى اعتزام صندوق النقد لمراجعة كيفية إنفاق الحكومات للأموال التي حصلت عليها حفاظا على الحقوق العامة، ذلك أن الفساد لم يزل يؤرق صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية والدول الداعمة كافة، حيث يضخون ملايين الدولارات لمعالجة مشكلة معينة، وإذا كان يمكن ترك هذا الموضوع للدول نفسها لمحاربة هذه الآفة فإن الدعم الذي تم توجيهه لمكافحة انتشار فيروس كورونا يجب ضمان توزيعه على مستحقيه ويتم صرفه في المكان المخصص له خاصة والعالم يواجه أزمة صحية خطيرة ضربت كل مكائن الاقتصاد العالمي، وهذا الأمر ليس من أجل الدول المدعومة نفسها بل لأجل العالم ككل، وأن إهمال انتشار المرض في دولة ما سيقوض الجهود التي تمت في دول أخرى، ومع ذلك ورغم كل الجهود والتوجيهات المشددة لتحديد أوجه الإنفاق، فقد أشار التقرير إلى أن عمليات الإنفاق في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، لا يتم توثيقها بإيصالات وفواتير، كما أن بعض المسؤولين في تلك الدول دخلوا السجن بسبب الفساد، وأن عددا قليلا من الدول لديها بيانات نتيجة المراجعة المحاسبية العامة، والمعلومات المتاحة تشير إلى إنفاق مئات الملايين من الدولارات من أموال مساعدات الصندوق تم بطرق غير صحيحة ولم تذهب إلى وجهتها الصحيحة. أي أنه تم استخدام جزء صغير من الأموال لشراء أجهزة التنفس الاصطناعي وإنشاء المستشفيات المتنقلة ومعدات الوقاية الشخصية، وهو ما أدى إلى فقدان أعداد كبيرة من الأرواح بحسب تصريحات لمسؤولين في منظمة الشفافية الدولية المعنية بمكافحة الفساد وعمليات غسل الأموال.
ورغم مطالبة صندوق النقد الدولي هذه الدول بتقديم ما يثبت صرف المساعدات على مواجهة الوباء فإن القدرة على إثبات صحة هذه البيانات ستظل ضعيفة طالما كانت الأدوات الرقابية في هذه الدول ضعيفة، وبذلك فإن الثقة بتلك الدول ستظل دون الحد الأدنى الذي يمكن معه ضمان تدفقات كافية من الاستثمارات الأجنبية الداعمة للاقتصاد، وهو ما ينذر بمزيد من موجات الفقر في هذه الدول.
إن الحوكمة الجيدة والالتزام بالقواعد الدولية، ومن ذلك المحاسبة الجادة للفساد وملاحقة الفاسدين في كل مكان ونشر ذلك بشفافية عالية هي الأساس الذي يضمن رفع مستويات الثقة بالاقتصاد ومعالجة قضايا البطالة والفقر وتعزيز الاستثمارات المحلية والعالمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي