العمل تحت الطلب .. هل تنجح استراتيجية شركة أروب؟

العمل تحت الطلب .. هل تنجح استراتيجية شركة أروب؟
دفعت عمليات الإغلاق في الجائحة ملايين الموظفين في أنحاء العالم من المكتب إلى منازلهم.

في عطلة نهاية كل أسبوع، يجلس ويل بول على مكتبه في المنزل ويبدأ بالعمل. ليس ليكمل ما تبقى من مهام الجمعة - على الرغم من أن الوقت الهادئ بعيدا عن مكالمات الفيديو وزيارات العملاء يسمح له بالتركيز على كتابة التقارير. عوضا عن ذلك، فإنه يستغل ترتيبات العمل الجديدة المرنة من صاحب عمله شركة أروب، وهي شركة للتصميم والهندسة.
يمكن هذا النهج جميع موظفي شركة أروب البالغ عددهم ستة آلاف موظف في المملكة المتحدة على توزيع ساعات عملهم الأساسية على مدى سبعة أيام، بدلا من بين الإثنين إلى الجمعة. هذا يعني أن بول قادر على آخذ يوم عطلة لرؤية شريكته التي تعمل في مناوبات في دار رعاية. "كنا نادرا ما نرى بعضنا في السابق". كما يقول بول، الذي يقود فريق إدارة تكاليف العقارات والمدن التابع لشركة أروب في المملكة المتحدة من منطقة ميدلاندز.
أطلقت ممارسة العمل الجديدة - اعمل دون قيود - في وقت سابق من هذا العام. جرى ذلك عقب ثلاثة أشهر تجريبية في مكاتب الشركة في كوينزلاند، أستراليا، وليفربول، المملكة المتحدة، في 2019. وقد اختار أكثر من 35 في المائة من المهنيين المنخرطين في التجربة أن يقوموا ببعض الأعمال في عطلة نهاية الأسبوع.
تضع هذه المرونة التحكم في ساعات العمل في يد بول، على عكس شريكته التي لا يمكن توقع مناوبات عملها. وهذا يعني أيضا أنه يمكنه إيصال أطفاله إلى المدرسة. في اليوم الذي تحدثنا فيه، كان يعمل منذ الساعة 7.30 صباحا ليتمكن من اصطحاب الأطفال إلى الحديقة عندما ينتهي يومهم الدراسي. بالنسبة إلى بول فإن الأمر كان "مغيرا لقواعد اللعبة".
دفعت عمليات الإغلاق في الجائحة ملايين الموظفين في أنحاء العالم من المكتب إلى منازلهم، وأوجدت جداول زمنية أكثر مرونة بينما كانوا يوفقون بين التعليم المنزلي ورعاية كبار السن ومسؤوليات أخرى مع وظائفهم. دفع هذا التغير الكبير عديدا من أصحاب العمل لتجربة أنماط العمل.
يقول أندي بينينغتون، وهو رئيس مكتب شركة أروب في ليفربول، إن من المستحيل العودة لطرق العمل القديمة بعد أن تم منح الموظفين حرية أكبر. خلال التجارب في 2019، كان الرؤساء التنفيذيون "مدركين أنه بإخراج الجني من الزجاجة" لن يتمكنوا من "وضع السدادة مرة أخرى". هذا درس تعلمه أصحاب العمل الذين يحاولون العودة لثقافة الحضور المكتبي، الموظفون يقاومون، أحد العوامل المساهمة في الاستقالة الكبرى.
تقول ليندا غراتون، وهي أستاذة ممارسة الإدارة في كلية لندن للأعمال، "معظم الشركات تشعر بالقلق تجاه اختيار المكان (بين المنزل والمكتب). ويدرك البعض الآخر أيضا أن اختيار الوقت قد يعود أيضا بمنفعة حقيقية. هناك خيار حاسم يجب اتخاذه - متى يمكننا الانفصال عن الآخرين - على سبيل المثال، لأداء المهام التي تتطلب منا التركيز الشديد. هذه هي المشكلة الكبيرة المقبلة بشأن إعادة تصميم العمل".
ومع ذلك فإن ساعات العمل المرنة تجلب المخاطر أيضا، ولا سيما في ثقافة العمل تحت الطلب دائما. قد يكون من الصعب أن تأخذ قسطا من الراحة إذا كان الآخرون يعملون، خاصة عندما تكون رسائل البريد الإلكتروني على هاتفك المحمول.
تقول ديان ثورنهيل، وهي مديرة الموارد البشرية لشركة أروب في المملكة المتحدة، وأوروبا، والشرق المتوسط وإفريقيا، إن أنماط العمل لم تتغير بشكل كبير لكن يستمتع الموظفون بالاستقلالية. وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس تغييرا ثقافيا مباشرا. حيث تقول، "إن التخلي عن بعض السلوكيات الماضية هو تحد، خصوصا على مستوى الإدارة.
يقول بينينغتون إن أحد الجوانب التي تمت مناقشتها في البداية، كان إيقاف السخرية من العاملين بدوام جزئي أو القول بصوت عال "نصف يوم آخر" عندما ينتهي شخص ما من العمل.
كما حرص كبار القادة على أن يكون عملهم المرن واضحا. يقول بينينغتون، "لقد تجاوزت الحدود عن قصد ليرى الآخرون ما هو مقبول. لدي ثلاثة أطفال، يمكنني المغادرة عند الساعة الثالثة مساء والقيام بأمور مع العائلة ومن ثم متابعة العمل الساعة ثمانية أو تسعة... كنا بحاجة إلى إظهار أنك إذا اخترت العمل مساء أو في عطلة نهاية الأسبوع، فلا بأس بذلك.
يتطلب هذا النهج التخطيط بشأن الجداول الزمنية للموظفين والعملاء، على الرغم من أن شركة أروب تطلب أيضا من الموظفين القدوم للمكتب مرتين في الأسبوع. يقول بينينغتون، "كان علينا أن نكون أكثر تنظيما لتنسيق الأسبوع المقبل". تجلس بعض الفرق معا في بداية الأسبوع وتخطط للأيام المقبلة، بينما يشارك البعض الآخر مذكراتهم الإلكترونية. "لقد ساعد ذلك على إدارة القلق من حلول الموعد النهائي عندما يقرر الجميع أن يأخذوا إجازة عصر الجمعة معا". ويضيف أن الشفافية "عادة" كان يجب عليهم تطويرها.
تميل أليكس دون، التي تعمل كمساعدة أعمال لشركة أروب في الشمال-الغربي ويوركشاير، العمل بين الساعة 7.30 صباحا والرابعة مساء للتركيز قبل أن يحضر قادة فرقها عبر الإنترنت. وتقول إنه عندما يأتي الأمر للجدولة كان على الناس التكيف مع فكرة أنهم يشاركون تحركاتهم عوضا عن أنه تتم مراقبتهم. وتقول، "كان على الناس أن يعلموا أننا لم نكن نتجسس على بعضنا بعضا".
يتطلب هذا النهج أيضا مزيدا من التفكير حول أي المهام تتطلب التركيز وأيها تتطلب التعاون، كما يقول ستيفن فرنانديز، وهو المدير الذي يقود أعمال التعديل التحديثي لشركة أروب ومقره في ميدلاندز. "إذا كنت أعمل في عطلة نهاية الأسبوع، يجب أن أفكر في كيفية تأثير ذلك في شخص آخر قد لا يرغب بذلك... لقد فتحت الجائحة أعيننا حول كيف يمكننا العمل بشكل منفصل وكفريق".
ويضيف، "يتطلب الأمر قدرا أكبر قليلا من ناحية التعاون وفهم أنماط عمل الآخرين". مشيرا إلى أن تقويمه يبدو مثل لعبة الفيديو تيتريس.
يمتد الوضوح بشأن التوافر للعملاء أيضا. إذ يعمل عديد من الموظفين على عدة مشاريع في الوقت نفسه، لذلك لا يتوقع العملاء توافرا مباشرا على مدار الساعة. يقول بول إنه يرسل ملاحظة للعملاء محذرا من أنه لا يعمل ذلك اليوم لكنه سيستجب إذا كان من السهل التعامل مع الاستعلام.
في الوقت الحالي، يقوم معظم الناس بتكييف ساعات العمل المكتبية فقط. يعزو بينينغتون هذا لثقافة العمل الراسخة. يوافق بول، "سابقا، كنت لربما توجد عذرا. الآن تقول، سأخرج مع الأطفال في الساعة الرابعة مساء. إنها تعديلات أكثر حول حواف الموازنة بين العمل والحياة، لكن تلك التعديلات الصغيرة يمكن أن تحدث فرقا كبيرا. الناس محافظون في الوقت الحالي. إنه أمر جديد تماما".
تستخدم بريانكا جاين، التي تعمل في مجال الاتصالات الداخلية ففي شركة أروب، المرونة لعمل جانبي - وهو مشروع يقدم علب الهدايا والبطاقات الفورية لتعزيز بناء الفريق في الشركة. سابقا كانت تشعر بالذنب لمغادرة المكتب للذهاب إلى مكتب البريد لإرسال الطرود للزبائن، لكنها تشعر الآن أنها "أكثر حرية". إنها "نقلة ثقافية"، كما تقول. "إن الناس مهتمون بما يفعله أقرانهم خارج ساعات العمل".
بالنسبة إلى فرنانديز، تعد الرياضة أولوية لذلك فهو يقضي وقتا من يوم عمله للجري وركوب الدراجات. "سابقا كنت أذهب إلى المكتب وأجلس في الاجتماعات طوال اليوم. وبحلول الوقت الذي أخرج فيه يكون قد حل الظلام. إنه التمرين يساعدني حقا على سعادتي. إنه يساعدني على أن أكون شخصا منتجا".
بالنسبة إلى سامانثا وولشام، التي تعمل في فريق التغيير في شركة أروب، فقد مكنها النموذج الجديد من قضاء بعض الوقت مع أبنائها الذين تراوح أعمارهم بين أربعة وخمسة أعوام. حقيقة أن العمل غير المقيد هو فائدة عالمية، تساعد على تقليل ذنب الأهل والانقسام بين الأهل والعاملين الذين ليس لديهم أطفال.
تقول وولشام، "كنت أشاهد الأمهات يغادرن المكتب لأخذ أطفالهن أو في حالات الطوارئ، كان هناك القليل من الانزعاج من جانبي وكان ذلك يثير رد فعل عاطفيا في داخلي حول مدى عدم عدالة ذلك. كنت أعلم أن هؤلاء النساء لا زلن يقمن بعملهن. الآن معظم الأشخاص لا يعلمون سبب مغادرتك - فقط تقول، "أنا غير متوافر".
تقول فيرا نغوسي-سامبروك، وهي مهندسة ميكانيكية في شركة أروب، إن نهج العمل الجديد أعطى المهنيين الأصغر سنا استقلالية أكبر. "لا أحد يراقبني وأشعر بمسؤولية أكبر قليلا عن ساعات عملي. أشعر أنني أكثر نضجا". وهي أن هناك تحولا لدى الأجيال في الضغط للحصول على المرونة. "تكبر وأنت تشاهد والديك يعملان لساعات طويلة. أريد أن أنجز كثيرا من الأمور في العمل لكن أيضا أن أعيش حياة مرضية".
كيف سينتهي أسبوع العمل الجديد في أجزاء أخرى من العالم حيث يتم طرح البرنامج عالميا هو أمر منتظر. وتقول ثورنهيل، "ستكون هناك اختلافات ثقافية. سيعني هذا الأمر شيئا مختلفا في اليابان، وسيعني أمرا مختلفا في مختلف الدول في أوروبا. لكننا نعلم أن الناس يريدون مزيدا من المرونة".

الأكثر قراءة