صيرفة مركزية ترتدي قناع الجدية «2 من 2»
وضع الميزانية العمومية في قلب السياسة النقدية يرقى إلى مستوى الثورة. كما زعـمت في دراسة مفردة حديثة لمصلحة المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، فإن التوسع النقدي الراديكالي بأي ثمن نجح في منع ثلاث صدمات ضخمة: "الأزمة المالية العالمية عام 2008، وشبه انهيار اليورو عام 2012، وجائحة مرض فيروس كورونا 2019"، من إشعال شرارة ركود عالمي في وقت حيث كانت السياسات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا تقييدية. وأثبت دوام القوى الانكماشية لفترة طويلة صحة هذا الاختيار السياسي.
لكن كل ابتكارات السياسة توجد مخاطر جديدة، والآن نجد خطرا أعظم يتمثل في تعدي التحول إلى التراخي المالي الحكومي على استقلال السياسة النقدية. علاوة على هذا، من الممكن أن يتسبب التعرض الأكبر للمخاطر المالية، خاصة في أسواق السندات في جعل إحكام قيود السياسة النقدية مسعى أشد خطورة، مع تعاظم خطر حدوث أخطاء في السياسة.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن نجاح سياسات الميزانية العمومية أوجد توقعات غير واقعية حول ما يمكن أن تحققه البنوك المركزية. إن النطاق غير المحدود والتنوع الشديد الذي تتسم به أدوات الميزانية العمومية يعنيان أن عامة الناس يمكنهم أن يتوقعوا، منطقيا وإن لم يكن بحكمة، أن تحقق البنوك المركزية أهدافا جديدة عديدة.
على سبيل المثال، من الممكن تعزيز برامج وخطط البنية الأساسية العامة الطموحة التي تهدف إلى تحقيق انتقال أسرع إلى اقتصاد أخضر من خلال دعم البنك المركزي أو الدعم التنظيمي لإصدار السندات الخاصة. ومن الممكن دعم السكن الميسور للشباب بطريقة مماثلة. سم ما شئت، وسيكون بوسعك أن تتوقع من البنك المركزي أن يستمع إليك على الأقل. وقد يكون الساسة على استعداد لتفويض البنوك المركزية باتخاذ أهداف جديدة. على أي حال، لم يعد الرد السريع البسيط بأن البنوك المركزية لا تفعل هذا يفي بالغرض. إن المجتمعات الحديثة معقدة، وقد علقت آمال كبرى على السلطات العامة.
كيف يمكن حماية البنوك المركزية إذن؟ لتنفيذ السياسة النقدية بطريقة فعالة، يتعين عليها أن تحتفظ بالحق في بيع أي أصل تشتريه، سواء كان في هيئة سندات خضراء، أو سندات في البنية الأساسية، أو أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري، أو أوراق مالية أجنبية، أو أي شيء آخر. لكن فوق كل هذا، نحتاج إلى مراجعة مستقلة للتكاليف والفوائد المترتبة على معاملاتها. ويعد مكتب التقييم المستقل التابع لصندوق النقد الدولي نموذجا يمكن محاكاته لتحقيق هذا الغرض.
قد تطلب البنوك المركزية أيضا من حين إلى آخر توجيهات صريحة من جانب الحكومة عندما تكون معاملات الأصول مدفوعة بأهداف السياسة غير النقدية. كما يجب وضع ترتيبات صريحة مماثلة عندما يخفض القائمون على التنظيم أوزان المخاطر على الأصول المفضلة لدى الحكومة.
لا شيء من هذا سيكون سهلا. الواقع أن القائمين على البنوك المركزية قادرون تماما على ارتداء قناع الجدية عندما يشرحون كيف تتناسب تصرفاتهم، أيا كانت، مع مسؤولياتهم الأساسية في ضمان استقرار الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي. لكن الضغوط الشديدة المفروضة على البنوك المركزية لحملها على بذل مزيد من الجهد تعني أن بعض التدابير ستقوض مصداقية التزامها بوظائفها الأساسية.
نحن لا نملك ترف إهدار أي وقت في إنشاء الإجراءات اللازمة لتقليص هذا الخطر. كانت البنوك المركزية المستقلة القادرة على ملاحقة تدابير مبتكرة، وبالتالي مثيرة للجدال، بين أكبر نجاحات السياسة الاقتصادية طوال الـ 20 عاما الأخيرة. ولا شك أن تآكل استقلاليتها يشكل تهديدا يجب مقاومته بكل ما في الكلمة من معنى.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2021.
لتنفيذ السياسة النقدية بطريقة فعالة، يتعين عليها أن تحتفظ بالحق في بيع أي أصل تشتريه، سواء كان في هيئة سندات خضراء، أو سندات في البنية الأساسية، أو أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري، أو أوراق مالية أجنبية، أو أي شيء آخر. لكن فوق كل هذا، نحتاج إلى مراجعة مستقلة للتكاليف والفوائد المترتبة على معاملاتها.