الطلب الصيني النهم يخمد مع إفلاس العقارات
مر نحو 20 عاما منذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها اقتصادا قيمته تريليون دولار. ومنذ ذلك الحين، نما الاقتصاد الصيني إلى ما يقارب من 15 تريليون دولار، ما أطلق العنان لموجة من الازدهار في الدول النامية ساعدت على انتشال أكثر من مليار شخص من الفقر.
لكن الأزمة الحالية في قطاع العقارات في الصين، كما يتضح في المشكلات المالية لشركات التطوير العقاري "إيفرجراند" و"فانتازيا"، تثير قلق كثيرين من أن الطلب الصيني شبه النهم على المواد الخام، الذي أثبت لفترة طويلة أنه محرك قوي للنمو للاقتصادات الناشئة، قد خمد.
"وصل قطاع العقارات في الصين إلى نهاية فترة الازدهار. وهذه أخبار سلبية خاصة بالنسبة إلى الدول التي اعتمدت على ذلك الازدهار"، حسبما قال ويليام جاكسون، كبير الخبراء الاقتصاديين في الأسواق الناشئة في شركة كابيتال إيكونوميكس، الذي يتوقع أن تتضرر بشدة مراكز القوة للسلع الأساسية وهي البرازيل وجنوب إفريقيا بشكل خاص.
في الوقت الحالي، قد يبدو هذا الاحتمال غير مرجح، نظرا إلى نقص العرض الذي أدى إلى ارتفاع أسعار كثير من السلع.
أسعار المواد الغذائية قريبة من أعلى مستوى لها خلال عقد. أدت المخاوف من تأثير أزمة الطاقة العالمية على إنتاج المعادن الأسبوع الماضي إلى ارتفاع أسعار النحاس والزنك والألمنيوم إلى أكثر من أعلى مستوياتها في عشرة أعوام. وهناك أيضا احتمال إنفاق تريليونات الدولارات على التحول الأخضر، ما دفع بعض المستثمرين إلى توقع دورة سلعية جديدة فائقة.
يحسب صندوق النقد الدولي أن نقل العالم إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050، مثلا، يمكن أن يوفر مكاسب غير متوقعة تبلغ 14 تريليون دولار لمنتجي النحاس والنيكل والكوبالت والليثيوم. وفي روسيا، ساعد الارتفاع الكبير في أسعار المعادن على دفع فائض الحساب الجاري للبلاد إلى مستوى قياسي بلغ 40.8 مليار دولار في الربع الثالث.
قال ديفيد هانر، استراتيجي الأسواق الناشئة والخبير الاقتصادي في بانك أوف أمريكا، "حقيقة ارتفاع أسعار السلع تساعد أينما تتوقع أن تساعد، من خلال دعم الأشخاص الذين يصدرون هذه الأشياء. لكن هناك أشياء أخرى تحدث أيضا".
يمكن القول إن العامل الأكبر هو التباطؤ في قطاع العقارات في الصين، الذي يمثل ما يقدر بنحو 30 في المائة من الناتج السنوي للبلاد. تراجع النمو الاقتصادي الصيني إلى 4.9 في المائة في الربع الثالث من العام الجاري، مقابل 7.9 في المائة في الربع السابق.
وكتبت شركة جافيكال دراجونوميكس للعملاء الإثنين الماضي "أرقام الصين الضعيفة لشهر أيلول (سبتمبر) الماضي تعكس القيود المتعلقة بالعرض، لكن القلق الأكبر هو ضعف جانب الطلب بسبب التراجع العقاري العميق".
البناء وحده يمثل نحو نصف استهلاك الصين من الصلب، وتراجعت أسعار خام الحديد إلى النصف تقريبا منذ أواخر تموز (يوليو) الماضي عندما تفاقمت مشكلات "إيفرجراند".
قال لاري برينارد، كبير الخبراء الاقتصاديين في الأسواق الناشئة في شركة تي إس لومبارد، "هناك تحول طويل وممتد لقطاع العقارات الصيني في المستقبل. وهذا يشير إلى انعكاس في توقعات أسعار السلع الصعودية التي فضلت بعض الأسواق الناشئة".
صناعة التعدين، وهي في قلب أي انخفاض هيكلي في الطلب، تتظاهر بالشجاعة حتى الآن. قال مارك كوتيفاني، الرئيس التنفيذي لشركة التعدين أنجلو أمريكان، إن السلطات في بكين تتعامل مع قضايا في قطاع العقارات بطريقة مسؤولة.
"ليس هناك شك في العالم في أن الصين بحاجة إلى النمو للتأكد من استمرار المجتمع في المضي قدما بطريقة مثمرة وبناءة، وأنا أعلم أن الحكومة الصينية تدرك جيدا تلك الضغوط"، حسبما قال. "لكن الأشهر القليلة المقبلة ستكون صاخبة بعض الشيء."
قد تكون المشكلة حادة بشكل خاص بالنسبة إلى الدول الغنية بالسلع الأساسية في أمريكا اللاتينية، خاصة البرازيل، لأن الصين هي أكبر شريك تجاري منفرد لها ووجهة رئيسة لصادراتها المعدنية والزراعية.
يعتقد سيرجيو فالي، الاقتصادي في شركة إم بي أسوسيادوس الاستشارية في ساو باولو، أن التأثير الأكبر من "إيفرجراند" سيكون على شركات معينة وليس الاقتصاد البرازيلي ككل. انخفض سعر سهم "فالي"، أكبر شركة لخام الحديد في البرازيل، 16 في المائة هذا العام.
ومع ذلك، يرى فالى، الخبير الاستشاري، أن التدهور في أسعار خام الحديد يعيق الميزان التجاري للبرازيل هذا العام. في حين توقع متنبئون فائضا تجاريا يصل إلى 100 مليار دولار في وقت سابق من 2021، انخفضت تقديرات الإجماع منذ ذلك الحين إلى نحو 65 مليار دولار.
في الوقت نفسه، تعاني الاقتصادات الناشئة الارتفاع الفوري في أسعار الغذاء والطاقة العالمية. وهذا مثير للقلق بشكل خاص بالنسبة إلى الدول النامية، حيث يستحوذ الإنفاق على السلع الأساسية أكثر من استهلاك الأسر المعيشية مقارنة بالعالم الغني.
نتيجة لذلك، زاد كثير من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة أسعار الفائدة، وبعضها - كما هو الحال في البرازيل وتشيلي وروسيا - أوقف النمو بقوة.
ومع ذلك، التوقعات المستقبلية للطلب على السلع الأساسية هي التي تثير قلق المحللين. وهذا صحيح لأن أجندة بكين "للازدهار المشترك" تسعى إلى إبعاد الاقتصاد عن الاستثمار الذي يقوده البناء وتوجيهه نحو الاستهلاك.
قد يكون تأثير هذا التحول عميقا. وفقا لصندوق النقد الدولي، حققت الصين 28 في المائة من إجمالي نمو الناتج العالمي بين 2013 و2018. إذا كان قطاع العقارات في الصين يمثل ثلث ذلك، فإن القطاع كان مسؤولا عن أكثر من 9 في المائة من النمو العالمي في جميع أنحاء العالم خلال تلك الفترة.
"أجد من الغريب أن يتحدث الناس عن التضخم العالمي في سياق أسعار الحاويات ونقص المعروض من السفن، كما لو أن هذه التغييرات ستكون دائمة"، حسبما قال بهانو باويجا، كبير الاستراتيجيين في مصرف يو بي إس وأحد المخضرمين في الأسواق الناشئة. "لكن لا أحد يتحدث عن أكبر مساهم في النمو العالمي".