كيف أصبحت شركات الأسهم الخاصة أشبه بإمبراطوريات اندثرت في الماضي القريب؟
من الطوابق العليا في ناطحة السحاب التي حملت تاج أكبر مبنى مكتبي في نيويورك منذ مركز روكفلر، يشرف بعض من مئات المديرين التنفيذين ذوي الأجور المرتفعة على إحدى أوسع الشركات انتشارا، التي بناها الرأسماليون الأمريكيون على الإطلاق.
بعد أقل من نصف قرن من بدئها باعتبارها مؤسسة استثمارية صغيرة يديرها ابنا عم ثريان، أصبحت "كيه كيه آر" شركة عملاقة. ذراع الإقراض للشركة التي تبلغ قيمتها 170 مليار دولار تدير كثيرا من الأصول مثل بعض البنوك الإقليمية، وهذه مجرد البداية.
لو تم دمج الأصول المتنوعة التي يديرها قسم الأسواق الخاصة التابع للشركة في كيان واحد وتم إدراجها في سوق الأوراق المالية، فقد تتجاوز قيمتها السوقية 100 مليار دولار – ويمكن مقارنتها بعمالقة الصناعة مثل شركة جنرال إلكتريك ولوكهيد مارتن أو 3M.
إن فرض تسلسل هرمي تقليدي مؤسسي على هذه الشركة متعددة الرؤوس سيكون مهمة لا يحسد عليها. مع وجود 800 ألف موظف، تعتبر واحدة من أكبر خمسة أرباب عمل في القطاع الخاص في الولايات المتحدة، مع أكثر من ضعف موظفي تكتل بيركشاير هاثاواي التابع لوارن بافيت.
من مكتب في هدسن يارد في مانهاتن، سيشرف الرئيس التنفيذي للشركة على جميع دورات الميزانية السنوية. وسيتعين عليه، أو عليها، مصارعة التسلسل الإداري في مجموعة محيرة من 200 شركة فرعية، بما في ذلك علامة تجارية للشامبو في سويسرا، ومصنع لأبواب المرآب في إلينوي، ومنتج لأعلاف الحيوانات في فيتنام.
بعبارة أخرى، إنها تشبه من نواح كثيرة تكتلا عتيق الطراز: مشاريع بناء الشركات الإمبراطوريات التي فقدت صدقيتها في منتصف القرن، والتي فعلت "كيه كيه آر" كل ما في وسعها لهدمها.
السؤال الذي بدأت شركات الأسهم الخاصة الضخمة بمواجهته هو ما إذا كان هذا الشبه المتزايد بالتكتلات الشاسعة القديمة بدأ يصبح عبئا – بالنسبة لها وللاقتصاد الأمريكي الذي يحاول التعافي من الجائحة.
بحلول الثمانينيات، عندما بدأت "كيه كيه آر" والصناعة الحديثة للأسهم الخاصة بالتبلور، كانت التكتلات تفقد بريقها. فورة الاستحواذ الفوضوية لشركة آر سي إيه جعلتها تحصل على اللقب الساخر "السجاد والدجاج والسيارات". وكان استحواذ "كيه كيه آر" سيئ الذكر في 1989 على شركة آر جيه آر نابسكو، وهي مجموعة طعام وتبغ تفككت لاحقا، رمزا لنهاية حقبة.
تنحى هنري كرافيس وجورج روبرتس، العضوان الباقيان من الثلاثي المؤسس لـ "كيه كيه آر"، عن منصبيهما بصفتهما رئيسين تنفيذيين للشركة الأسبوع الماضي.
خلال إدارتهما التي دامت 45 عاما أتقنا أساليب الهندسة المالية التي مكنت نوعا جديدا من الشركات من العمل بكفاءة أكبر، بحوافز أكثر ذكاء، ما قد يعمل به تكتل يضم الشركات نفسها.
يقول جوش ليرنر، وهو اقتصادي يدرس الأسهم الخاصة في كلية هارفارد للأعمال، إن كرافيس "وسع نطاق الشركة بنجاح لتصل لمرحلة من النشاط الاستثماري لم يستطع تخيل حدوثها إلا قليلون، وبنى مؤسسة ناجحة جدا بثقافة متميزة ونظرة عالمية".
تم تقليد أساليبه على نطاق واسع. كان هناك ما يقارب سبعة آلاف شركة أسهم خاصة في الولايات المتحدة في 2019، وفقا لبيانات من شركة بريكن، بما في ذلك شركات أكبر حتى من "كيه كيه آر".
سجلت مجموعات وول ستريت الاستثمارية نموا غير مسبوق خلال الجائحة. عقدت شركات الأسهم الخاصة صفقات تزيد قيمتها عن 500 مليار دولار في النصف الأول من هذا العام، وهي الأشهر الستة الأكثر نشاطا منذ أربعة عقود.
حققت هذه الاستثمارات أرباحاً طائلة، وقدمت مكاسب غير متوقعة لصناديق التقاعد والمستثمرين الآخرين الذين يمتلكونها، وساعدت في رفع أسهم شركات رأس المال الخاص. تبلغ قيمة أكبر خمس مجموعات مدرجة – "بلاك ستون"، و"كيه كيه آر"، و"كارلايل"، و"أبولو"، و"أريز" – الآن أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه خلال أعماق عمليات البيع الكثيف في العام الماضي، حيث ارتفعت من 80 مليار دولار في آذار (مارس) 2020 إلى أكثر من 250 مليار دولار هذا العام.
لكن في الوقت الذي يكافح فيه الاقتصاد الأمريكي الذي ضربته الجائحة لاستعادة قواه، تلعب هذه الشركات الضخمة دورا يزداد أهمية.
يحذر بعض الخبراء من أن شركات رأس المال الخاص، على غرار التكتلات التقليدية التي حلت محلها إلى حد كبير، يمكن أن تستنفد قريبا قدرتها على النمو وتحقيق عوائد عالية في الوقت نفسه.
يقول ستيفن كابلان، وهو خبير في شركات الأسهم الخاصة يدرّس في كلية بوث للأعمال في جامعة شيكاغو: " بلاك ستون أو كيه كيه آر هي تكتل ضخم من الشركات. (صناعة رأس المال الخاص) ربما تشكل 10 إلى 15 في المائة من الاقتصاد على ما أعتقد، وهناك حد لحجم الاقتصاد الذي يجعل من هذا الأنموذج منطقيا". ويحذر: "في مرحلة ما، قد تتوقف عن كسب عائد جيد".
استهداف التهاون
عززت معركة "كيه كيه آر" العلنية مع الرئيس التنفيذي لـ "آر جيه آر نابسكو"، روس جونسون، التي سجلت في كتاب "البرابرة عند البوابة" Barbarians at the Gate، سمعة الشركة باعتبارها كرة تدمير وول ستريت. مع ذلك، أشار كرافيس نفسه إلى أن شركته لديها الكثير من القواسم المشتركة مع كبار بناة الرأسمالية.
"أين ذهب آل كارنيجي وآل ميلونز وآل روكفلر؟" حسبما يقول متأملا في أوائل التسعينيات، حيث كان يقيس خصومه عقليا. "رحل الكثير منهم. ومفهومنا هو إعادة ذلك، إعادة تلك الملكية".
ما دفع كرافيس لتفكيك التكتلات مثل "نابسكو" لم يكن التعقيد المتأصل في المؤسسات بقدر ما اعتبره اللامبالاة المهنية من الحرس القديم من الرؤساء التنفيذيين..
كان جونسون مثالا على ذلك. كان رئيسا يمكنه أن يشيد، صادقا، بأحد المحاسيب لقدرته على "أخذ ميزانية غير محدودة وتجاوزها". بحلول الوقت الذي أُجبر فيه رئيس "آر جيه آر نابسكو" على الاستقالة بسبب استحواذ "كيه كيه آر" القياسي على شركته 1989، كان جونسون قد أشرف بشكل شخصي على بناء حظيرة للطائرات بقيمة 12 مليون دولار تضم ما لا يقل عن ست طائرات كانت تنقل أصدقاءه من نجوم الرياضة في رحلات مدفوعة التكاليف.
قال كرافيس في عام 1991: "الكثير من المديرين والشركات الأمريكية (هم) مستأجرون لأصول الشركة، وليسوا أصحابها". مقارنا سلوكهم بسائق سيارة مستهتر في سيارة مستأجرة. "إذا كان لديك أمر معرض للخطر، ستفكر بشكل مختلف".
بالنسبة لجون دي روكفلر، كانت ملكية شركة ستاندر أويل نتيجة تلقائية لعمل تجاري شاق. لكن " كيه كيه آر" كانت تكلف جيلا جديدا من رؤساء الشركات بمسؤولية الشركات التي كانت بالفعل قيمة لدرجة أن قلة من المديرين التنفيذيين لديهم ثروة كافية لشراء حصة مجدية فيها.
منذ ذلك الحين، تم اعتماد الحل الذي ابتكره كرافيس وروبرتس عبر صناعة استثمارية بأكملها تقدر قيمتها الآن بأربعة تريليون دولار. كان على المطلعين أن يضعوا جزءا من أموالهم في أدوات الاستثمار العملاقة التي دفعت فيها صناديق التقاعد والمستثمرون الآخرون لتمويل عمليات الاستحواذ بالرفع المالي، بينما يحصلون على حصة سخية من الأرباح عندما تسير الاستثمارات بشكل جيد.
تقول "كيه كيه آر" إن الشركة ومديريها التنفيذيين لديهم 30 مليار دولار مستثمرة في شركات الصناديق والمحافظ الخاصة بها أو مخصصة لها. يمكن أن تكون حصتهم من الأرباح أعلى بكثير.
عادة ما تتلقى مجموعات الاستثمار ومديروها التنفيذيون 20 في المائة من الأرباح على استثماراتهم عندما تصل العوائد السنوية إلى حد معين، على الرغم من دفع جزء صغير من رأس المال. علاوة على ذلك، غالبا ما يتم توزيع الأسهم الرخيصة على كبار المديرين التنفيذيين في الشركات التي تشتريها شركات الأسهم الخاصة.
هذه "حوافز قوية جدا لفرق صفقات (الأسهم الخاصة) والرؤساء التنفيذيين للشركات"، حسبما يقول كابلان، الذي يعتقد أن المنافع الاقتصادية الممنوحة للمطلعين تفسر سبب ازدهار المجموعات المتباينة من الشركات التي تجمعها الأسهم الخاصة حتى مع موت التكتلات. "هناك ميل داخل التكتلات لجعل الأبقار الحلوب تغذي (المديرين) النجوم. وهو أمر محبط للغاية بالنسبة للأبقار الحلوب".
لقد اشترت "كيه كيه آر" مئات من الشركات تقدر قيمتها بأكثر من 650 مليار دولار منذ 1976، عندما بدأت بتجميع نوع جديد من الإمبراطورية، وقد حولت 122 مليار دولار من رأس المال الذي استثمرته للعملاء منذ ذلك الحين إلى أصول تبلغ قيمتها 240 مليار دولار.
لكن مع وصول تقييمات الشركة إلى مستويات عالية تاريخية، ومكافحة صناعة رأس المال الخاص لإيجاد استخدامات لاحتياطي رأس المال غير المنفق البالغ 2.5 مليار دولار، يتم الآن اختبار نهج ملكية الشركات الذي ابتكره كرافيس وروبرتس على نطاق غير مسبوق.
الأمر يعتمد على النتائج أكثر من الصحة المالية لشركات الأسهم الخاصة ومستثمريها. يكافح الاقتصاد الأمريكي لتلبية الطلب المتزايد بينما يتكيف أيضا مع أزمة العرض العالمية وتشتت القوى العاملة جراء الجائحة. ربما أكثر من أي لحظة أخرى في وقت السلم، الطريقة التي تدار بها الشركات قد لا تشكل الثروات الخاصة فحسب، بل المصائر الوطنية أيضا.
وول ستريت واثقة بأن لديها الأنموذج الأفضل. يقول صانع صفقات كبير في واحدة من أكبر الشركات الأمريكية المدرجة: "في شركات الأسهم الخاصة، لا نخبر الرؤساء التنفيذيين بما يجب عليهم فعله كثيرا. نحن نمنح الأشخاص صلاحية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم ومن ثم نحملهم مسؤولية النتائج".
يجادل المدافعون عن الصناعة بأن نهج عدم التدخل هذا، الذي أصبح ممكنا بفضل الهيكل المالي الذي يعرض كبار المسؤولين التنفيذيين فقط للأرباح التي يسيطرون عليها، أوجد شكلا عقلانيا للغاية من الهيكل العلوي للشركات الأقل ميلا لتجاوزات الأنانية أو الغرور. يعتقد بعض الأكاديميين، بمن فيهم كابلان، أن شركات الأسهم الخاصة ساهمت في تحقيق مكاسب كبيرة في ربحية قطاع الشركات الأمريكية على مدار الـ40 عاما الماضية.
لكن هذه المكاسب صاحبها انخفاض حاد في حصة الإنتاج الاقتصادي التي يتلقاها العمال – وهو مزيج غير مريح لصناعة عنيدة في بحثها عن الكفاءات في شركات مثل محلات السوبرماركت والمصنعين وأرباب العمل الكبار الآخرين.
في وقت سابق من هذا العام، وجدت دراسة أكاديمية تناولت 30 عاما من عمليات شراء شركات الأسهم الخاصة، أن عمليات الاستحواذ المدعومة بالأسهم الخاصة لشركات مدرجة في البورصة أعقبها انكماش بنسبة 13 في المائة في جداول الرواتب، على الرغم من أن التوظيف ارتفع بالفعل عندما اشترت شركات الاستثمار من أصحاب شركات خاصة آخرين.
نوع جديد من الأغنياء
بالنسبة إلى المديرين التنفيذيين الذين يتم جلبهم لإدارة الشركات التي اشتروها، فإن ملكية شركات الأسهم الخاصة تجلب نوعا مختلفا من القيود. مثل التكتلات الأكثر تنظيما، أنشأت شركات الأسهم الخاصة الكبرى أذرعا استشارية داخلية للبحث عن طرق للتغلب على أوجه القصور في شركاتها، وشراء الفرق التي تمهد وترتب للنفوذ الجماعي لشركاتها للتوصل إلى صفقة صعبة مع الموردين. ويمكن للديون الضخمة التي تحملها الشركات على شركات المضمنة في محافظها الاستثمارية أن تضخم العوائد النهائية للمساهمين، لكنها أيضا تجبر المديرين التنفيذيين على السير على حبل مشدود بين المكافآت المالية الضخمة والإفلاس المحتمل.
غيرت شركات الأسهم الخاصة أيضا الأعمال التجارية الأمريكية بطرق ملموسة، وربما كان خير مثال على ذلك هو حظائر الطائرات الخاصة في الوجهات الدافئة في الشتاء والتي تقع على بعد بضع ساعات طيران من نيويورك.
بعد فترة طويلة من تجاوزها لـ "آر جيه آر نابسكو"، لا تزال "كيه كيه آر" لا تمتلك أي طائرات خاصة ليستخدمها مديروها التنفيذيون. لكن بعض المديرين التنفيذيين في "كيه كيه آر" يمتلكون طائراتهم الخاصة، بما في ذلك كرافيس وروبرتس، اللذان يدفعان من جيوبهما الخاصة للطيارين والصيانة.
مقابل ذلك، هناك التحويلات الهائلة للثروة من المستثمرين إلى المديرين التي صنعت 20 تقريبا من المديرين التنفيذيين لشركات الأسهم الخاصة من أصحاب المليارات منذ 2005، وفقا لدراسة أجرتها جامعة أكسفورد نشرت العام الماضي.
مع ذلك، يعتقد بعضهم أن الرؤساء التنفيذيين في الثمانينيات، الذين كانوا ينفقون أموال الشركة على الامتيازات السخية، لا يختلفون في نهاية المطاف كثيرا عن المديرين التنفيذيين في شركات الأسهم الخاصة الذين جمعوا الكثير من الأموال التي يمكنهم دفعها ليصبحوا رعاة رائدين للمؤسسات الثقافية، ومانحين للقضايا السياسية - ويدفعون بأنفسهم تكاليف الطائرات الخاصة.
"ماذا أنتج كرافيس للحصول على هذا المال؟" حسبما تسأل إيلين أبيلباوم، المديرة المشاركة لمركز أبحاث الاقتصاد والسياسة، والناقدة الصريحة لشركات الأسهم الخاصة. "ما تفعله شركات الأسهم الخاصة هو استخراج الثروة من الشركات".
حتى "كيه كيه آر" تدفع الأموال عندما يستخدم مؤسسوها أصحاب المليارات وغيرهم من كبار المديرين التنفيذيين طائراتهم من أجل العمل. كانت هذه الرحلات أقل من المعتاد في العام الماضي، لأن الجائحة العالمية تسببت في توقف معظم رحلات العمل. مع ذلك، وصلت التكلفة إلى 1.7 مليون دولار.