رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحكومات وقدرتها على تحمل الدين العام «2 من 3»

استنادا إلى سلاسل تاريخية من بيانات المالية العامة، يمكن دراسة تطور الحذر في سياسة المالية العامة والإسراف في سياسة المالية العامة ـ وهما مصطلحان يستخدمان في الأغلب بصورة فضفاضة إلى حد ما للإشارة إلى ما إذا كانت سياسات الميزانية للحكومات قابلة أو غير قابلة للاستمرار.
ويحكم بأن سياسة الميزانية قابلة للاستمرار إذا كانت القيمة المتوقعة لجميع فوائض الميزانية المستقبلية كافية لسداد الدين العام "ما إذا كان شرط القيد على الميزانية عبر الفترات الزمنية مستوفى". وفي الواقع العملي، يرتبط مفهوما الحذر والإسراف بالأجل المتوسط. ذلك أن تراكم أي منهما لا يحدث بين عشية وضحاها، فوجود عام أو حتى أعوام قليلة من العجز في الميزانية لا يسبب بالضرورة أزمة في المالية العامة، إذا كان المركز الأولي قويا. ولا ينفي ذلك أن استمرار العجز لعدة أعوام يمكن أن يشير إلى ضرورة القيام بتصحيح لتجنب تمرير ديون لا يمكن تحملها إلى أجيال قادمة. ومن ثم، فإن الأحكام المتعلقة بما إذا كان الحذر أو الإسراف هو السمة السائدة في سياسة المالية العامة تتقرر بالضرورة على مدى عدة أعوام. وعلاوة على ذلك، فإن درجة الحذر لدى بلد ما ليست من الثوابت. فهي تتغير بمرور الوقت، مع تغير الحكومات واتجاهات المواطنين والظروف الاقتصادية "مثل أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي طويل الأجل".
وتتضمن الاختبارات المعنية باستمرارية سياسة المالية العامة تحديد ما إذا كانت السياسات المتوقعة كافية لتثبيت نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي. وفي الأوساط الأكاديمية، تتزايد شعبية اختبار لاستمرارية سياسة المالية العامة وضعه هينينج بون ويرد في دراسة 1998 Henning Bohn ويقيس هذا الاختبار مدى استجابة صانعي السياسات لزيادات الدين بقرارات تؤدي إلى تحسين الميزان الأولي. وعندما تكون هذه الاستجابة إيجابية وذات دلالة إحصائية، يحكم على سياسة المالية العامة للبلد المعني بأنها قابلة للاستمرار.
وأحد التحديات التي ينطوي عليها استخدام هذه الاختبارات ضرورة استخدام عدد كبير من الأعوام للبيانات التاريخية التي تخص كل بلد على حدة. ونظرا لهذا القيد، ركزت البحوث الأولى في هذا المجال على عدد قليل من البلدان التي تتوافر لها بسهولة بيانات طويلة الأجل. والآن، بفضل توافر بيانات تعود إلى فترة طويلة، يمكن أن نحدد فترات الحذر والإسراف لكل بلد من بلدان العينة البالغ عددها 55 بلدا. ويتسم استخدامنا لمصطلحي الحذر والإسراف بطبيعة فنية ولا ينطوي على أي أحكام. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون هناك مبرر قوي للتنشيط المالي الذي يؤدي إلى تدهور الميزان الأولي في وقت تكون فيه نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي آخذة في الارتفاع "سلوك مسرف"، إذا كان الهدف من هذا التنشيط تجنب حدوث ركود عميق وطويل الأمد.
ويكشف تحليلنا عن بعض العوامل الاقتصادية المهمة التي تدفع التغيرات في السلوك الحذر. وتتضمن هذه العوامل حدوث تغيرات غير متوقعة في النمو الاقتصادي طويل الأجل وتغيرات في أسعار الفائدة الحقيقية. وتشير الأدلة إلى أن البلدان تصبح في الأغلب أكثر إسرافا عندما يكون نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي طويل الأجل لديها أدنى من المتوقع. ويعني ذلك أنه عندما يتراجع النمو طويل الأجل "حسب تقييم الباحثين بمنظور استرجاعي" مقارنة بتوقعات صانعي السياسات على أساس البيانات المتاحة لهم في ذلك الوقت، يرجح أن يتصور صانعو السياسات أن تباطؤ إجمالي الناتج المحلي إنما هو عرض مؤقت وأن يستجيبوا في الأغلب بإرخاء سياسة المالية العامة "خفض الضرائب، أو زيادة الإنفاق، أو كلاهما". وفي هذه الحالات، تكون النتيجة في الأغلب إسرافا في سياسة المالية العامة. وإضافة إلى ذلك، خلصنا إلى أن رفع أسعار الفائدة الحقيقية "الأسعار الحكومية طويلة الأجل المعدلة لبيان التضخم" يزيد درجة الحذر. ومثلما يمكن توقعه، عندما تزيد تكاليف الاقتراض الحقيقية، تزيد مدخرات الحكومة ويقل اقتراضها... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي