رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سلاسل الإمداد .. ارتباك وخلافات

ارتبكت سلاسل الإمداد والتوريد اللوجستي في مختلف أنحاء العالم مع بداية جائحة كورونا، وتزايد الوضع سوءا مع استمرار الجائحة، وتأثر من خلالها كثير من القطاعات الاستراتيجية الحساسة، مثل الرعاية الصحية، والنقل، وقطع الغيار، وقطاعات الدفاع، والأمن. وضربت جائحة كورونا سلاسل الإمداد، أو التوريد، كما ضربت بقية القطاعات الأخرى حول العالم، والمشكلات التي تعرضت لها هذه السلاسل كانت موجودة أصلا قبل تفشي الوباء الخطير، عبر سياسات حمائية وحروب، ومعارك تجارية، بين الدول المؤثرة في الساحة العالمية.
ما حدث في العام الماضي، الذي بات يعرف بـ"عام الوباء"، أن وتيرة الاضطراب في سلاسل التوريد تسارعت، مع تحول الحكومات حول العالم إلى جبهة الحماية المحلية إن جاز القول، فالخطر كان كبيرا، وكل دولة سعت إلى تأمين الاحتياطي اللازم من السلع، خصوصا الاستهلاكية منها، فضلا عن السلع والمنتجات الأخرى خارج النطاق الاستهلاكي المباشر، ومع تأثر سلاسل الإمداد، انتقلت العدوى بصورة طبيعية إلى القطاع اللوجستي المرتبط بها.
ولا شك في أن تطوير سلاسل التوريد يقلل من التكاليف المالية، ويجعلها أكثر تنافسية، إلا أن هذا الجانب صار جامدا بفعل الارتباك الذي نشره كورونا على الساحة، والمشكلة الرئيسة الآن، تكمن في أنه رغم كل التوقعات بنمو تجارة السلع العالمية في العامين الجاري، والمقبل، إلا أن المخاطر الناجمة عن الجائحة العالمية لا تزال قائمة بصورة أو بأخرى، خصوصا فيما يرتبط بسلاسل الإمداد.
ومع مرور الوقت، أدركت الدول أن لا خيار لديها إلا التأقلم مع الوضع الحساس، ومحاولة الانتقال من حالة الضعف، إلى حالة التأقلم. فعلى سبيل المثال، استثمرت اليابان ما يزيد على ملياري دولار لتحويل جزء من سلسلة إمدادها، إما عبر إرجاعها لليابان، وإما نقلها لجنوب شرق آسيا، وبعض الدول تأثرت كثيرا، وانقطعت عنها الإمدادات، وواجهت مشكلات كبيرة في تأمين موارد أساسية، وضرورية، مثل الأدوية، وقطع الغيار لمختلف المنتجات، ومتطلبات التصنيع.
ويأتي الابتكار في التقنيات الحديثة للتصنيع، والنقل، في جوهر التحديات المنهجية المرتبطة بإدارة سلاسل الإمداد، والتقدم في هذه التقنيات يؤدي بالتأكيد إلى طفرات كبيرة في سلاسل الإمداد والدعم اللوجستي، فيما تفوقت الدول ذات البنية التحتية الرقمية على غيرها في تجاوز جزء من التحديات التي واجهتها مع جائحة كورونا.
التحديات أمام الحكومات كثيرة، وتبرز الحاجة الماسة إلى تطوير وسن أنظمة جديدة ترتبط بالأمن الإلكتروني، وجودة وإجراءات التصنيع، والمشتريات، للتغلب على تلك التحديات. ومثلا، دولة كبريطانيا تعاني حقيقة في هذا المجال، على الرغم من توافر السلع لديها مثل الوقود، فضلا عن المنتجات الغذائية، والاستهلاكية المباشرة الأخرى. كما أن المملكة المتحدة تعد في حد ذاتها حالة خاصة في هذا المجال، لأن الأزمات التي تواجهها في هذا الميدان، شكلها عاملان أتيا في وقت واحد، وهما: الوباء العالمي و"بريكست". ماذا حدث؟ اضطرت الحكومة إلى الاستعانة بالجيش لتأمين نقل السلع، ولا سيما الوقود، بعد أن توقفت معظم محطات الوقود عن العمل.
وعلى الصعيد نفسه، تتوقع منظمة التجارة العالمية نمو تجارة السلع في العام الجاري 10.8 في المائة، بعد انخفاض بلغ 5.3 في المائة العام الماضي، وهذه مؤشرات إيجابية، على الرغم من تباطؤ هذه التجارة في 2022، علما بأن النمو المتوقع المرتفع، سببه الأهم هو الانخفاض الكبير في عام الجائحة. لكن سلاسل الإمداد ستبقى مضطربة ليس بسبب ما تبقى من تداعيات كورونا على الساحة العالمية، وهي تتراجع بالفعل وأحيانا بسرعات كبيرة، ولكن نتيجة الإجراءات الحمائية، التي تتخذها هذه الدولة وتلك، بشأن بعض المواد، التي تشكل في النهاية السلسلة الإنتاجية. والمشكلة الأكبر هنا، تكمن دائما، في تعدد وتشعب سلاسل التوريد، فبهذا التعدد تكون هناك مخاطر أكبر، فهناك من يطرح آراء فيها بعض التطرف للوهلة الأولى، على شاكلة أن ذلك يسهم في تسريع انتهاء العولمة.
وبصرف النظر عن مثل هذه الرؤى وغيرها، إلا أن سلاسل التوريد أو الإمداد تشهد أزمات متعددة حاليا، رغم عودة الاقتصاد العالمي إلى الحراك بصور شبه تامة. والنقطة اللافتة أيضا، هي أن الاضطراب في ساحة المواد، التي تشكل المنتج النهائي، سواء عن طريق الحمائية، أو المعارك التجارية، أو الخلافات الجمركية، أو حتى مؤثرات كورونا، أو غيرها، انتقل إلى ميدان النقل، والشحن، والتعزيزات اللوجستية.
ولا شك في أن هذه الاضطرابات في ميدان حيوي كهذا ستتواصل بمستويات مختلفة، لكنها تشهد أيضا انفراجات ربما ليست كبيرة حاليا، لكنها تتسع، ولا يمكن أن تتوافر الضمانات اللازمة في سلاسل الإمدادات أو التوريد، أو الإنتاج، في ظل خلافات تجارية معقدة، ولا سيما بين الدول التي تتمتع بأكبر الاقتصادات عالميا، فالخلاف التجاري الصيني - الأمريكي المعروف، هو في حد ذاته عنصر مساهم في اهتزاز هذه الساحة، وبالتالي فإن أهم ما يضمن قوة هذه السلاسل هي الروابط والتفاهمات التجارية بين الدول.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي