كابوس الركود التضخمي على طاولة البنوك المركزية
تواجه البنوك المركزية في كل مكان تقريبا الكابوس نفسه: مزيج من تباطؤ النمو وصدمات العرض التضخمية التي تهدد معا بحدوث ركود تضخمي. حتى الآن تتم مواجهة المشكلة بطرق مختلفة.
ارتفعت أسعار الفائدة بالفعل في النرويج وفي كثير من الاقتصادات الناشئة، في حين اتخذ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبنك إنجلترا خطوات لتشديد السياسة النقدية. في المقابل، البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان لم يتخذا أي إجراء.
هذه الاستجابات المختلفة تعكس صعوبة التعامل مع ما تسميه ميجان جرين، من جامعة هارفارد "أسوأ كابوس" يواجه أي بنك مركزي - وهي لحظة تعمل فيها القوى الاقتصادية العالمية على إبطاء النمو وزيادة التضخم.
يتمثل الرأي الاقتصادي التقليدي في أن البنوك المركزية يجب ألا تفعل شيئا للتعويض عن التضخم الناجم مباشرة عن صدمة العرض، مثل ارتفاع أسعار النفط هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى لها في سبعة أعوام. كما يقول دافال جوشي، كبير الاستراتيجيين في شركة بي سي أيه للأبحاث: "الاستجابة للتضخم الناجم عن صدمات العرض بتشديد السياسة النقدية أمر بالغ الخطورة".
المشكلة الأساسية هي أن السياسة النقدية تعمل عادة عن طريق زيادة الطلب الاقتصادي أو خفضه. إذا كان الإنفاق ينمو بسرعة كبيرة ويؤدي إلى حدوث تضخم، فإن أسعار الفائدة المرتفعة تقلل من رغبة الشركات والأسر في الاستهلاك أو الاستثمار عن طريق زيادة تكلفة الاقتراض.
لكن الأمر يختلف عندما ترتفع الأسعار بسبب تعطل سلاسل الإمداد، أو ارتفاع أسعار الطاقة، أو وجود نقص في العمالة. في مثل هذه الحالات لن تكون السياسة النقدية مناسبة للتعامل مع الصدمة.
كما قال أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا: "السياسة النقدية لن تزيد المعروض من رقائق أشباه الموصلات، ولن تزيد من حجم حقول طاقة الرياح (بالفعل، لن تفعل ذلك)، ولن تزيد سائقي الشاحنات الثقيلة".
تشديد السياسة النقدية نجح في بعض الأحيان. خلال صدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، منعت الإجراءات الصارمة للبنك المركزي الألماني "بوندسبانك" التضخم من أن يصبح راسخا في الاقتصاد.
أوتمار إيسينج، كبير الخبراء الاقتصاديين السابق في البنك المركزي الأوروبي، كتب أن البنك المركزي في ألمانيا الغربية (آنذاك) اتخذ الإجراء الصحيح في ذلك الوقت، لأن موقفه النقدي المتشدد أعطى "توجيهات لا لبس فيها لصناع القرار الاقتصادي الآخرين وكذلك الجمهور، وعلى مدى ثلاثة أعوام، حافظ على شعور قوي بالوجهة".
لكن في 2011، عندما قلّد البنك المركزي الأوروبي قرار البنك المركزي الألماني الصارم عن طريق رفع أسعار الفائدة خلال صدمة إمدادات الغذاء والطاقة، ارتكب ما يعد الآن خطأ كارثيا أدى إلى تضخيم أزمة منطقة اليورو في ذلك العام. الاختلاف في 2011 يتمثل في عدم وجود آثار غير مباشرة لصدمة العرض، لذلك كانت الزيادة في أسعار الفائدة غير ضرورية ومضرة.
بعد مرور عشرة أعوام، تواجه البنوك المركزية العالمية عملية موازنة حساسة مماثلة، تشديد السياسة النقدية في وقت مبكر للغاية قد يقضي على الانتعاش، وتشديدها بعد فوات الأوان قد يرسخ التضخم.
في الولايات المتحدة، اعترف جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، الأسبوع الماضي بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي فوجئ بشدة اختناقات العرض. مع ذلك، قال الاحتياطي الفيدرالي إنه "سيبحث" في ارتفاع الأسعار الذي أعقب ذلك، نظرا لاعتقاده الراسخ أنه سيتلاشى بمرور الوقت. هذا الرأي، في الوقت الحالي، مدعوم بتدابير السوق طويلة الأجل المتعلقة بتوقعات التضخم.
ديفيد ويلكوكس، زميل أقدم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وموظف سابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي، قال: "الأمر الذي من شأنه أن يحول هذا إلى وضع أكثر ضراوة وخطورة، هو حدوث خلل في علم النفس التضخمي" الذي دفع الشركات إلى رفع الأسعار والأجور، متوقعة أن تكون هناك تحركات مماثلة من قبل المنافسين.
من الممكن أن يتحول هذا إلى وضع "سام" ترتفع معه توقعات التضخم.
مع توقع نمو الاقتصاد الأمريكي نحو 6 في المائة هذا العام، وأن تكون أسعار الفائدة عند مستويات قريبة من الصفر، أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي بالفعل إلى ثلاث زيادات في أسعار الفائدة على الأقل قبل نهاية 2023. الحاجة إلى اتخاذ خطوة مبكرة تعتمد جزئيا على ما إذا كانت الشركات تتكيف مع تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع التكاليف عن طريق رفع أسعارها الخاصة، ما يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل التضخمية.
رافائيل بوستيك، رئيس فرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، قال الأسبوع الماضي: "إنه أمر أقضي الكثير من الوقت في التفكير فيه".
في غضون ذلك، يركز بنك إنجلترا في المملكة المتحدة على سوق العمل. إذا شهدت ارتفاعا في الأجور دون تحسن الإنتاجية، فقد يشير هذا إلى أن الطلب لا يزال أقوى من العرض. في هذه الحالة، أشار بنك إنجلترا إلى أنه قد تكون هناك حاجة لاتخاذ إجراءات نقدية.
هناك نهج مختلف قليلا في منطقة اليورو، حيث البطالة أعلى منها في المملكة المتحدة ونقص العمالة أقل حدة. في الأسبوع الماضي استبعدت كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، تحول البنوك المركزية الأخرى نحو تشديد السياسة النقدية، على الرغم من وصول التضخم في منطقة اليورو إلى أعلى مستوياته في 13 عاما.
مع ذلك، قالت لاجارد، من المهم "النظر في التضخم المؤقت الذي يحركه العرض، طالما بقيت توقعات التضخم ثابتة" ولم يكن هناك ارتفاع في الأجور. أشارت في الوقت نفسه إلى عدم وجود علامات على أي منهما حتى الآن.
يبقى السؤال المفتوح، إلى متى يستمر هذا الوضع. كليمنس فويست، رئيس معهد إيفو Ifo للأبحاث الاقتصادية، قال محذرا: "لا نرى تسويات للأجور من شأنها (أن تؤدي) إلى ارتفاع التضخم، لكن في الوقت نفسه تستيقظ النقابات وتطالب بزيادة الأجور".
في اليابان، لا يزال الاختلاف في النهج أكثر وضوحا. البنك المركزي، الذي كافح الانكماش منذ فترة طويلة، قد يرى أن ارتفاع التضخم والتوقعات التضخمية الناجمة عن صدمة العرض أمر مفيد.
بالنظر إلى تفرد الصدمة الاقتصادية العالمية التي أحدثها كوفيد-19، والسرعة التي يتباطأ بها النمو في الاقتصادات الكبرى ويتزايد بها التضخم، وصعوبات التعامل مع الركود التضخمي، من المحتمل أن يكون هناك كثير من التغيرات والتحولات الأخرى في سياسة البنوك المركزية.
نحن لا نتعامل مع تضخم ناتج عن الطلب. قال جان بويفين، نائب سابق لمحافظ بنك كندا يعمل الآن في معهد بلاك روك للاستثمار: "ما نمر به حقا الآن هو صدمة عرض ضخمة. طريقة التعامل مع هذا الوضع ليست مباشرة مثل التعامل مع التضخم فقط".