سوق التمويل تعمل على كل الجبهات .. الحصيلة 8.7 تريليون دولار
لم تكن أسواق المال بهذه السخونة من قبل. الشركات حول العالم طرقت أبواب المستثمرين للحصول على تريليونات الدولارات من الديون والأسهم هذا العام، مستفيدة من انتعاش أسواق الأسهم واندفاعا لاستغلال شروط الاقتراض الأكثر سهولة منذ عقود، قبل أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الرئيسة الأخرى في سحب الدعم.
نوبة جمع الأموال التي تجاوزت حصيلتها تريليون دولار من مبيعات الأسهم ونحو أربعة تريليونات من إصدارات السندات، تشمل أكبر الأسماء في عالم الشركات، بما في ذلك أبل وشركة وول مارت وبايدو وفولكسفاجن. وبالرغم من أن المصرفيين يسارعون إلى التوقيع على القروض وإنهاء عمليات الطرح العام الأولية، إلا أن الصفقات المتراكمة التي لا يزال يتعين إنجازها تظل مهولة.
قال دنكان سميث، رئيس أسواق رأس مال الأسهم الأوروبية في بنك آر بي سي: "الناس في حالة عدم استقرار الآن، سواء المصرفيين في أسواق المال، أو المصرفيين المسؤولين عن عمليات الاندماج والاستحواذ، أو المحامين – حي المال مليء بالمعاملات بالتأكيد". وقارن سميث كثافة العمل على عمليات الطرح العام الأولية ومبيعات الأسهم الثانوية بطفرة الدوت كوم والأعوام التي سبقت الأزمة المالية.
تم جمع ما يقارب 8.7 تريليون دولار من مبيعات الأسهم وعروض السندات وصفقات القروض – بما في ذلك القروض المجمعة التي تنظمها البنوك – بوتيرة قياسية، وفقا لشركة ريفينتيف لتزويد البيانات. لقد أرهقت الوتيرة الشرسة مديري الصناديق الذين يتعين عليهم أن يقرروا ما إذا كانوا راغبين في الاستثمار، لكنها لم تخفف من طلبهم بعد، على الرغم من تذبذب الأسواق في نهاية أيلول (سبتمبر).
في الولايات المتحدة، تجاوزت أحجام عمليات الطرح العام التقليدية لأول مرة الذروة التي تم تسجيلها في عام 1999 قبل انهيار الدوت كوم، بعدما دخلت شركات مثل روبن هوود إلى السوق. وتعمل البنوك بما في ذلك سيتي وبانك أوف أمريكا وجولدمان ساكس، التي تستعد لتقاضي رسوم مصرفية استثمارية قياسية هذا العام، على زيادة أو نقل موظفين إلى فرقها العاملة في ضمان الاكتتابات والقروض المشتركة حتى لا تفقد العمل لمصلحة المنافسين.
أصبح إصدار الأسهم العالمية الآن على مسافة قريبة من الرقم القياسي لكامل العام الماضي، مدفوعا بمبيعات أسهم ثانوية بقيمة 504 مليارات دولار من قبل المجموعات المدرجة مثل شركة تشاينا تيليكوم وشركة التأمين البريطانية برودينشال. ومع إدراج متوقع قبل نهاية العام لشركات مثل إف دبليو دي جروب، وهي شركة تأمين مملوكة لملياردير هونج كونج، ريتشارد لي، والشركة المصنعة للسيارات الكهربائية، ريفيان، يقول صانعو الصفقات إن الرقم قد يتجاوز قريبا الرقم القياسي المسجل في 2020.
هذه الأرقام مدهشة حتى عند استبعاد طوفان الشركات الوهمية المعروفة باسم سباكس، التي تم إدراجها في وقت سابق من هذا العام – وهو اتجاه استحوذ على وول ستريت حيث تم طرح مئات الشركات التي لا تملك أعمالا حقيقية للاكتتاب العام بهدف شراء شركات أخرى وطرحها في سوق الأسهم.
جمعت نحو 500 من شركات سباكس (شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة) 128 مليار دولار هذا العام، بما في ذلك 15.7 مليار دولار في الربع الثالث. وقد انخفض عدد شركات سباكس التي تم طرحها للاكتتاب العام بشكل كبير منذ بداية عام 2021، واستقر في الأشهر الأخيرة، خاصة أن الشركات الوهمية المدرجة سابقا وجدت شركات خاصة يمكن الاندماج معها.
قال جيف بونزيل، الرئيس المشارك العالمي لأسواق رأس المال في دويتشه بانك: "في الربع الأول كان ذلك جزءا هائلا من سوق الطرح العام الأولي، التي لم تتمكن من الاستمرار (...) لكنني أعتقد أن هناك مستوى مستداما للمضي إلى أعلى قليلا مما كان عليه (قبل عام 2020)".
لم تكن شركات سباكس الخيار البديل الوحيد الذي استخدمته الشركات كي تصبح عامة. فقد انتقلت الإدراجات المباشرة بعيدا عن الهامش، حيث استخدمتها شركات معروفة مثل شركة واربي باركر لصناعة النظارات وشركة تشغيل بورصة العملات المشفرة، كوينبيز، وسيلة لدخول السوق. هذا الخيار هو في المقام الأول للشركات التي لا تحتاج إلى جمع رأسمال جديد، بل تسمح للمستثمرين الحاليين ببيع أسهمهم. وقد تم الانتهاء من ستة إدراجات في الولايات المتحدة حتى الآن هذا العام.
لم يتأثر الازدهار في أسواق رأس المال بعد بارتفاع وتيرة التقلب، على الرغم من تزايد قلق المستثمرين بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي، وتشديد السياسة النقدية، واحتمال حدوث صدمة ديون في الصين، والصراع على سقف الديون في الولايات المتحدة.
في أيلول (سبتمبر) عانى مؤشر إس آند بي 500 من أول خسارة شهرية منذ كانون الثاني (يناير)، في حين سجل مؤشر فوتسي لعموم الأسهم العالمية أكبر انخفاض شهري منذ أدنى مستوى سجله إبان الأزمة في آذار (مارس) من العام الماضي حين شعر المستثمرون بالفزع من احتمال ارتفاع أسعار الفائدة.
لكن في الأسابيع الأخيرة من أيلول (سبتمبر)، دخلت البنوك الطريق لتسويق سندات وحزمة قروض بقيمة تقارب 15 مليار دولار لتمويل أكبر عملية شراء بالدين منذ الأزمة المالية. وحتى مع زيادة التقلبات خلال عدة أيام تداول، عندما انخفضت أسواق الأسهم والسندات، انهالت الطلبات على الصفقة، وفقا لمصادر مطلعة.
بحلول الوقت الذي تم فيه إتمام الحزمة لتمويل الاستحواذ على شركة ميدلاين المصنعة للوازم الطبية من قبل تحالف لشركات الأسهم الخاصة الأسبوع الماضي، كانت البنوك قد استقبلت الكثير من الطلبات بحيث تمكنت من خفض تكاليف الفائدة التي يتعين على مجموعة المشترين دفعها في النهاية لتأمين النقود.
قال فيفك بانتوال، الرئيس المشارك العالمي للتمويل في بنك جولدمان ساكس، إن الصفقات الجديدة كانت مرنة بشكل مفاجئ بالرغم من التقلبات في سوق الأسهم. أشار إلى أن 38 صفقة سندات وقروض عالية الخطورة تم الانتهاء منها في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، وتم تسعيرها جميعا، عدا واحدة، بعوائد كانت عند توقعات ضامني الاكتتاب أو أفضل منها.
قال: "إننا في بيئة ينمو فيها الناتج المحلي الإجمالي والشركات تقوم بعمل جيد والحماية التي يمتلكونها من حيث تغطية الفائدة (...) تزداد قوة".
قد تدفع التقلبات الأخيرة بعض جهات الإصدار إلى إلغاء الصفقات الآجلة نظرا لإثارتها "علامات استفهام حول السيولة المستقبلية (...) وبالتالي توفر زخما للشركات للتصرف الآن"، وفقا لجيف تانينباوم، الذي يدير أسواق رأس المال في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لمصلحة بانك أوف أمريكا.
هذا هو السبب في مراقبة الكثير من المصرفيين لمؤشرات الظروف المالية. غالبا ما تقوم مقاييس اتجاهات السوق بقياس التغيرات في شروط الائتمان، وأسواق الأسهم والعملات لقياس مدى سهولة تمويل الشركات والحكومات لأنفسها. في بداية أيلول (سبتمبر) سجل مقياس أمريكي تتم متابعته من كثب، يصدره جولدمان ساكس، أدنى مستوى له على الإطلاق، مشيرا إلى أن الأمر لم يكن أسهل من هذا مطلقا. لكن في الأسابيع التي تلت ذلك بدأت تظهر عليه علامات الضعف.
تعد مونيكا إريكسون، وهي مديرة محفظة في شركة دبل لاين كابيتال، واحدة من عديد من مديري المحافظ في الولايات المتحدة الذين يدققون في مبيعات الديون الجديدة، ويقررون الأشياء التي سيتم الاستثمار فيها نيابة عن عملاء شركتها. قالت حتى مع وجود صفقة تلو أخرى على مكتبها، فقد تجاوز الاكتتاب في بعض طروحات عروض الدين عشرة أضعاف، في إشارة للطلب القوي.
أضافت: "ترى كيفية تداول (طروحات السندات) الجديدة والكمية التي تم استيعابها في السوق وهذا يظهر لك أن هناك طلبا هائلا على الأصل. كانت تدفقات الأموال قوية حقا هذا العام".
تعد مبيعات سندات الدرجة الاستثمارية – وهي النهاية الأكثر أمانا لطيف ديون الشركات – أحد المجالات القليلة في السوق التي ستهدأ، على الرغم من أنها لا تبدو بطيئة بأي حال من الأحوال.
في العام الماضي، تضخم الاقتراض من خلال أسواق السندات مع إصدار الشركات للديون وتخزين السيولة النقدية لمواجهة الجائحة. وهذا العام، بينما انخفضت أحجام الدرجة الاستثمارية 15 في المائة إلى 3.4 تريليون دولار، زاد عدد الشركات المقترضة من خلال أسواق الدين.
وتم تعويض هذا التراجع بزيادات كبيرة في الإصدارات المصنفة عالية الخطورة، مدفوعة بطفرة إبرام الصفقات من قبل مجموعات الأسهم الخاصة، إضافة إلى تحرك عديد من متاجر الاستحواذ هذه لدفع الأرباح لأنفسها بتمويل من السندات والقروض الجديدة.
في أيلول (سبتمبر)، حظيت صفقة واحدة معينة باهتمام السوق: قرض مصنف CCC من شركة بي إم سي للبرمجيات بعائد 6.3 في المائة فقط. كانت أقل تكلفة اقتراض لقرض تعده وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية محفوفا بالمخاطر منذ عام 2010 على الأقل، عندما بدأت وحدة LCD التابعة لشركة إس آند بي جلوبال ماركت إنتيليجنس بتتبع البيانات.
مع جمع شركات الأسهم الخاصة مبالغ من المال أكبر من أي وقت مضى، يمكن لعقد الصفقات أن يحافظ على عجلة التسريع فيما يتعلق بالديون وإصدار الأسهم. وتم بالفعل تثبيت أكثر من 800 مليار دولار من عمليات الاستحواذ بالدين هذا العام، متجاوزة بذلك الرقم القياسي المسجل قبل الأزمة المالية العالمية للمرة الأولى.