منشآت صغيرة لكنها كبيرة
تعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر ذات أهمية بالغة في اقتصادات الدول، بغض النظر عن درجة تطورها واختلاف أنظمتها ومفاهيمها الاقتصادية، وتباين مراحل تحولاتها الاجتماعية، كونها تلعب دورا مؤثرا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لأهميتها الكبيرة في تشغيل العمالة، حيث توفر فرص عمل واسعة جدا، نظرا إلى قلة رأس المال المستثمر للعامل، ومن ثم المساهمة بفاعلية في حل مشكلة البطالة وتعظيم الناتج، وكذلك إسهامها في ولادة مشاريع جديدة تدعم النمو الاقتصادي.
وتؤدي المشاريع الصغيرة دورا مهما في تحقيق مستهدفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في معظم دول العالم، حيث تشكل نسبة كبيرة من المشاريع الصناعية، والزراعية، والخدمية، وفي مجالات متنوعة، وبالتالي تسهم في امتصاص أعداد كبيرة من الأيدي العاملة والتخفيف من مشكلة البطالة، كما تؤدي دورا مهما في اكتساب المهارات الفنية، والتقنية، وهي أيضا صاحبة الدور الأكبر في تلبية احتياجات السكان من السلع، والخدمات.
وعلى هذا الصعيد، تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية، محورا رئيسا في توجه استراتيجية التنمية، والحراك الاقتصادي عموما. وتقدم هذا القطاع في مخططات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، جاء لكونه يمثل العمود الفقري لأي اقتصاد، وتبنى عليه مؤشرات مستقبلية لدعم أركان النمو. ولأن الأمر كذلك، حققت الشركات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر المحلية صافي تمويل من المصارف وشركات التمويل في الربع الثاني من العام الجاري بنحو 9.79 مليار ريال، ليصل المجموع الكلي للتمويلات المقدمة إلى 198.2 مليار ريال، وبنسبة نمو 25 في المائة على أساس سنوي.
وفعليا هذا القطاع، يتمتع باهتمام كبير على الساحة السعودية، ليس فقط لكونه مدعوما من قبل رؤية المملكة، بل لأن القيادة العليا تركز عليه، لأسباب عديدة، في مقدمتها أنه يمثل محورا أساسيا في أي حراك اقتصادي، ورافدا مباشرا وغير مباشر لخطوط إنتاج الشركات الكبرى، وغير ذلك. وكما هو معروف، فإن المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تشكل 99 في المائة من إجمالي المنشآت، وتستحوذ هذه المنشآت على 43 في المائة من مبيعات القطاعات التجارية، كما أنها توظف أكثر من 70 في المائة من القوى العاملة، وتحقق 50 في المائة من إجمالي الأرباح، ما يعزز دورها في الحراك الاقتصادي في أي ساحة، وما يبرر التسهيلات التي تقدمها السلطات المالية المختصة في المملكة، لدعمها وتمكينها، ولا سيما في ظل ما أصبح يعرف بـ"ورشة" البناء الاقتصادي الوطني، التي استقطبت اهتمام وإعجاب العالم لما حققته من قفزات نوعية في مدة زمنية قصيرة، فضلا عن مشاريعها التي تحاكي المستقبل واستحقاقاته.
ومن هنا، يمكن النظر إلى ارتفاع معدلات التمويل الخاص بالشركات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر في السعودية في الربع الثاني، الذي يعد الأكبر في آخر ثلاثة فصول.
ودون شك في أن دور الجهات الحكومية المعنية وفر دفعا قويا لقطاع هذه الشركات على المدى البعيد ووفق أسس استراتيجية خالصة، يضاف إلى ذلك، تنمية ورعاية القطاع برمته، ما مكنه من تحقيق قفزات لافتة في الأعوام القليلة الماضية، على الرغم من أن نسبة الشركات المتناهية الصغر في السعودية تبقى الأكبر، إلا أنها لن تكون كذلك خلال الأعوام القليلة المقبلة، في ظل عملية التمكين الجارية حاليا، فضلا عن التسهيلات التي توفرها المؤسسات العامة.
ولذلك، فإن ارتفاع مستوى التمويلات في الربع الثاني من العام الحالي، يعني أن مشاريع هذا القطاع ستنتج حراكا لافتا، خصوصا بعد إرباك غير مسبوق للاقتصاد العالمي، بفعل تفشي جائحة كورونا، فهدف رؤية المملكة 2030 أن تنتقل مساهمة قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي، من 20 إلى 35 في المائة بحلول 2030، وهذا يتطلب مواصلة السياسة الاقتصادية المتبعة في هذا المجال، بما في ذلك التمويلية منها. وكانت واضحة مساهمة بنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، كأحد الصناديق والبنوك التنموية التابعة لصندوق التنمية الوطني في دعم هذا الميدان المحوري، خصوصا فيما يرتبط بسد الفجوة التمويلية، وهذه الأخيرة تمثل أولوية ضمن النطاق التنموي المحلي عموما.
هذا التوجه والدعم، يعكسان في الواقع وضعية التمويل لهذه المنشآت، فنسبة التمويل المقدمة من المصارف وشركات التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر، زادت من 6 في المائة خلال 2018 إلى 8.42 في المائة بنهاية الربع الثاني، وارتفعت أيضا مقارنة بالربع الثاني من 2020. وكان طبيعيا أن تشكل تمويلات المصارف 93.2 في المائة من إجمالي التمويلات، مع ضرورة الإشارة إلى ارتفاع نسبة تمويل المنشآت المتناهية الصغر، التي استحوذت على الارتفاع الأكبر مقارنة ببقية الشركات الأخرى.