استراتيجية الثقة وأدوات النمو

نجح الاقتصاد السعودي في تجاوز محطات عديدة خلال فترة زمنية قصيرة، حقق فيها قفزات نوعية وكبيرة في آن معا، وهذا المسار الاستراتيجي التاريخي، انطلق في الواقع من مخططات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي شملت كل القطاعات، ورسمت معالم الاقتصاد السعودي الجديد، الذي يليق بمكانة، وقوة، وإمكانات البلاد. ووفرت "الرؤية" الأدوات اللازمة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، بصرف النظر عن أي ظروف قد تمر بها هذه المرحلة أو تلك، سواء على الصعيد المحلي، أو الدولي، فالقيادة السعودية طرحت خطة التنمية الشاملة هذه، وقدمت لها كل الوسائل التشريعية، والإجرائية المساندة إلى جانب المرونة، واعتماد أعلى معايير الشفافية والمحاسبة، وكلها محركات مطلوبة في مرحلة إعادة البناء الاقتصادي.
ولأن الأمر كذلك، حظي المسار التنموي في السعودية باهتمام عالمي، ليس فقط من ناحية ما تحقق من إنجازات خلال فترة زمنية قصيرة بالفعل، بل من جهة تكريس الثقة بالاقتصاد الوطني، في وقت تعرضت فيها اقتصادات كبرى لاهتزازات خطيرة على مختلف الأصعدة. والنجاحات في هذا المسار، دعمت تصنيف المملكة الائتماني، منذ نقطة الانطلاق نحو آفاق الاقتصاد المستدام إلى الآن، ولذلك كان من الطبيعي أن تقوم وكالة ستاندرد آند بورز العالمية للتصنيف الائتماني بتثبيت تصنيف الاقتصاد السعودي عند - A مع نظرة مستقبلية مستقرة.
هذا التثبيت يأتي بعد أن تعرضت اقتصادات راسخة على الساحة الدولية، لخفض تصنيفاتها، لأسباب عديدة منها الآثار السلبية التي تركها وباء فيروس كوفيد - 19 في الميدان الاقتصادي عموما.
وفي عز الأزمة التي خلفتها جائحة كورونا عالميا، اعتبرت "موديز" الوكالة الدولية للتصنيف منتصف العام الماضي أن السعودية واجهت الظروف والأزمات الاستثنائية التي يشهدها العالم من موقع القوة، ولا سيما القوة المالية التي تتمتع بها البلاد والتي تساعدها على مواصلة النمو ومواجهة التحديات بالطبع، بمعنى آخر، أن الوضع الاقتصادي السعودي كان متماسكا حتى في عز الأزمة التي ضربت العالم بصورة لم يتوقعها أحد.
المرونة المالية التي وضعت ضمن تصنيفات السعودية لا تتوافر لمنتجي النفط الآخرين، وهذه نقطة مهمة جدا في تكريس الثقة بالاقتصاد الوطني، وما كانت لتتوافر، لولا الإصلاحات الهيكلية القوية للمالية العامة. أما هذه الإصلاحات فقد أسهمت في تحقيق هدف استراتيجي قديم متجدد وهو نمو الإيرادات غير النفطية، التي بلغت في عام الجائحة نحو نصف الإيرادات.
هذه عوامل مساندة للنمو الاقتصادي، ولتكريس السمعة في اقتصاد السعودية، الذي استقطب خلال الأعوام القليلة الماضية استثمارات أجنبية متصاعدة، ليس فقط لقدرة السوق المحلية على استيعابها، بل لليقظة التي تتمتع بها البلاد على صعيد المرونة الاقتصادية، والتشريعات، والملاءة المالية، وغير ذلك مما يجذب المستثمرين.
ويبقى النمو محورا رئيسا لأي اقتصاد، حيث توقعت "ستاندرد آند بورز" نموا إيجابيا لاقتصاد البلاد في العام الجاري، وتراجعا متوقعا للعجز من الناتج إلى 4.3 في المائة. والنمو المتوقع في الفترة ما بين 2021 و2024 سيصل وفق التوقعات إلى 2.4 في المائة، وهذه نسبة مهمة جدا وجيدة بعد الجائحة.
مسار الاقتصاد السعودي في كل المراحل والظروف يسير وفق الأسس التي تم وضعها من قبل القيادة الساعية إلى استكمال مشاريع الرؤية وفق التواريخ المحددة لها، وبالتالي لم يكن غريبا، أن الحساب الجاري سيسجل "وفق وكالة التصنيف الدولية" 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021. لكن يبقى المحور الرئيس الذي يلفت انتباه وكالات التصنيف والجهات الاستثمارية حول العالم، أن السعودية حققت إنجازات مهمة على صعيد تنويع مصادر الدخل الوطني، وكل هذا ما كان ليتحقق، لولا عملية البناء الاستراتيجية التي تتجاوز حتى مفهوم الإصلاحات من حيث تأثيرها، وقوتها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي