الشفافية المالية واستنطاق الأرقام

تأكيدا على مبدأ نهج الشفافية ومشاركة المعلومات، ومساهمتها مع أصحاب القرار والمصلحة في وقتها المناسب، والتعامل بالأرقام الناطقة، أعلنت وزارة المالية الخميس الماضي، البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2022، وذلك تزامنا مع تقرير الأداء المالي والاقتصادي نصف السنوي لعام 2021. هذان التقريران يمثلان مستوى مرتفعا من الشفافية، فتقرير البيان التمهيدي في حد ذاته يمثل استشرافا للمستقبل، وتهيئة القطاعات الاقتصادية لتعديل تنبؤاتها بشأن الاقتصاد السعودي، والمالية العامة في العام المقبل، ما يدعم آليات إعداد الموازنات التقديرية بشكل مناسب بعيدا عن الضبابية والمفاجآت.
إعداد الموازنات التقديرية لعديد من المؤسسات الحكومية المستقلة ماليا، وكذلك جميع الشركات في القطاع الخاص يعتمد أساسا على نسبة النمو في الناتج المحلي، الذي بدوره يعتمد على مستويات إنفاق المالية العامة، وأيضا نسب التضخم والعجز والدين العام، لهذا فإن الإعلان في هذا التوقيت يعد مهما لجميع الأنشطة الاقتصادية، ويمنحها الوقت الكافي للعمل على خططها، وهذا النهج من الشفافية هو آخر مخرجات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، الذي منح القطاع الخاص الزخم الذي مكنه من تحقيق نمو قوي خلال النصف الأول من العام الجاري حيث أظهر نسبا قياسية بلغت 7.5 في المائة، ودعم بدوره نمو القطاع غير النفطي ليرتفع بنسبة تجاوزت 5 في المائة، ما حقق توازنا اقتصاديا فريدا تغلب على الأضرار والخسائر الناتجة عن تراجع أسعار النفط نتيجة الالتزام بأسقف الإنتاج المحدد من قبل "أوبك +"، وما تسببت فيه جائحة كورونا من تعثر بعض القطاعات الاقتصادية. كما مكن الاقتصاد السعودي من الخروج من الأزمة بقوة ودافعية قوية ظهرت بصورة واضحة في مضامين البيان التمهيدي.
لقد ظهر جليا من خلال الإعلان التمهيدي أن الاقتصاد السعودي لم يتأثر بشكل بالغ بالجائحة، وأنه استعاد قوته، في وقت ما زال عديد من الدول في العالم غير قادر على معالجة الآثار الصحية والاقتصادية المترتبة على الجائحة، وهذا يعود بالفضل بعد الله جل وعلا إلى الحكمة البالغة التي تم من خلالها التعامل مع الأحداث بتوازن ودقة، ومنها الالتزام الصارم بالتباعد الاجتماعي، وقواعد العمل أثناء الجائحة، وتطبيق الاحترازات الصحية، وعدم التراخي في ذلك، إضافة إلى الدعم الكبير الذي حصلت عليه وزارة الصحة الذي بلغ نحو 50 مليارا خلال الجائحة إضافة إلى 79 مليارا معتمدة في الميزانية العامة لعام 2021 بنمو بلغ 7.8 في المائة عن ميزانية عام 2020.
ومن المتوقع أن يستمر النمو في دعم الصحة مع ارتفاع المصروفات العامة المقدرة خلال عام 2022 إلى ما يتجاوز 955 مليار ريال، وذلك لكون القطاع الصحي ضمن أولويات الإنفاق الحكومي في كل عام.
وفي مقابل التعامل الاحترازي الصارم مع الإجراءات الصحية وعدم التهاون في الإخلال بها، فقد وجد القطاع الخاص دعما لا محدود خلال الجائحة حيث تجاوز الدعم 50 مليارا، مع تحفيز استدامة المنشآت ودعم الوظائف، وهذا مكن القطاع الخاص من الحفاظ على هياكله، ومقابلة النمو في الطلب الذي جاء بعد رفع الإجراءات الاحترازية تباعا. وإذا كان العالم يواجه أزمات لوجستية كبيرة لعدم مراعاة هذه الإجراءات التي تضمن تماسك القطاع الخاص عند العودة للعمل، فإن السعودية وبفضل الله لم تواجه أزمات في سلاسل الإمداد، ولا في توفير السلع أو الخدمات في وقتها، ولهذا استطاع القطاع الخاص العودة للعمل بمرونة مستفيدا من كل هذه الأوضاع الاقتصادية المواتية، إلى جانب وجود طلب قوي مكن المنشآت الخاصة من قيادة النمو الاقتصادي خلال عام 2021.
واليوم وبعودة النمو للميزانية العامة يتوقع أن تصل الإيرادات العامة إلى أكثر من 930 مليارا، بدعم قوي من الإيرادات غير النفطية بعد أن كانت مقدرة عند 849 مليارا بداية عام 2021، ونمو المصروفات العامة أيضا لتتجاوز تريليون ريال، بعد أن كانت مقدرة عند 990 مليارا، كل ذلك سيعزز الطلب الكلي وبالتالي استمرار النمو القوي للقطاع الخاص واستدامته بإذن الله مدعوما بنمو في القطاع الحكومي غير النفطي، والقطاع النفطي مع استمرار ارتفاع الأسعار.
كما سيعزز ذلك من الثقة الكبيرة بمتانة الاقتصاد السعودي، حيث من المتوقع ثبات الدين العام عند نسبة 33 في المائة مع تراجعه إلى 27 في المائة بحلول عام 2024، وهذا في مجمله سيدعم استمرار برامج التخصيص والوظائف، كما سيدعم نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة قوية خلال عام 2022 التي من المتوقع أن تصل إلى 7.5 في المائة بعد أن كان النمو 2.4 خلال عام 2021.
ومع هذا النمو في الناتج المحلي، والإيرادات العامة، واستمرار نهج الدولة في ضبط الإنفاق الحكومي، ورفع كفاءته، في الوقت نفسه فإن العجز في الميزانية سيتراجع بنسبة تتجاوز 40 في المائة، وبالتالي تكون المالية العامة على الموعد في عام 2023 لتحقيق التوازن المالي المنشود، إذا لم يتحقق قبل ذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي