صدام القطبين .. القوة والاستراتيجية

المتابع لتطورات العلاقات الأمريكية - الصينية، يلاحظ أن صراع النفوذ بين العملاقين وحلفائهما قد دخل مرحلة اصطفاف جديدة، تعترضها مطبات كبرى أولها اقتصادية. ويخطط الرئيس جو بايدن لتغيير الأولويات الاستراتيجية للسياسة الخارجية الأمريكية، كما ظهر ذلك في أول جولاته الأوروبية، عادا صعود القوة الصينية على الصعيد العالمي أمرا مقلقا للغاية. ومع استمرار توسع مبادرة طريق الحرير والتنامي المطرد للقدرات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية للصين، فإن التصادم مع القوة الأمريكية مبرمج بالضرورة في عدد من الجبهات في العالم، ومن كان يعتقد أن الحرب التجارية التي أعلنها دونالد ترمب مجرد نزوة رئيس متقلب المزاج، فهو واهم، فقد بات صناع القرار في الولايات المتحدة على وعي تام بالتحدي الاستراتيجي الذي تشكله القوة الصينية بالنسبة إلى الهيمنة الغربية على العالم.
ونظرا إلى خطورة الزحف الصيني في منافسة أمريكا على الصعيد التجاري، فقد حدثت وزارة التجارة الأمريكية أخيرا قائمة الشركات الصينية التي تعمل في مجال الصناعات الإلكترونية، وأجهزة الحاسوب فائقة القوة وضمتها إلى قائمة الكيانات الصينية المحظور تصدير المنتجات الأمريكية إليها، بدعوى أن أنشطة هذه الشركات تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي أو مصالح السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويحظر أي تعامل مع هذه الشركات دون الحصول على ترخيص من الحكومة الأمريكية. فيما أكدت وزارة التجارة الأمريكية أنها ستستخدم كل ما لديها من صلاحيات لمنع الصين من استغلال التكنولوجيا الأمريكية.
ومن هذه الخلفية لتوتر العلاقة بين واشنطن وبكين، فقد كان من الطبيعي أن تغضب الحكومة الصينية من حكم منظمة التجارة العالمية بشأن نزاع بين الصين والولايات المتحدة، فببساطة لم تجد هذه المنظمة أي تجاوزات من قبل واشنطن بعد قرارها الحد من استيراد خلايا الألواح الشمسية الصينية. وهذا الحكم، يطرح إشارات متعددة تدل على أن المرحلة المقبلة من الحرب التجارية، أو لنقل المعارك التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، لن تكون سهلة، خصوصا إذا ما دخلت منظمة التجارة على الخط، بينما لا توجد علامات واضحة على إمكانية حدوث تفاهمات قريبة بين واشنطن وبكين بشأن مجموعة من القضايا التي لا تختص بالتجارة فقط، بل تشمل الجوانب السياسية، والعسكرية، وحقوق الإنسان، وغيرها من المسائل العالقة منذ عقود بين الصين والدول الغربية عموما.
بالطبع، ستطعن بكين في قرار منظمة التجارة العالمية، وبصرف النظر عن نتيجة هذا الطعن، إلا أن الولايات المتحدة ماضية في فرض عقوبات متنوعة على الصين، بسبب الخلافات الواسعة بينهما، والاتهامات المتبادلة التي شكلت في الواقع سمة الأعوام القليلة الماضية.
المسؤولون الصينيون عدوا لهذا القرار نتائج مؤذية، دون أن يحددوا ماهية هذه النتائج، لكنهم دون شك يعملون على رد قوي في المرحلة المقبلة، يشمل سلسلة من الإجراءات المقيدة للتجارة مع الولايات المتحدة، وهذا ما يحدث عموما بين الطرفين منذ أعوام، وأي خطوات في هذا الميدان ستؤثر حتما في أي مفاوضات مقبلة بين الجانبين، علما بأن المحادثات التي جرت بينهما منذ وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى البيت الأبيض لم تحقق شيئا على الإطلاق، بل العكس، أنتجت سلسلة من الانتقادات المتبادلة.
القرار الأمريكي بوقف استيراد مكونات مستخدمة في صناعة الألواح الشمسية من الصين، لم يشمل كل الشركات في هذه الدولة، لكنه بدأ بواحدة، بينما وضع المشرعون الأمريكيون لاحقا شركات أخرى تعمل في هذا المجال، بلغ عددها ست شركات وكيانات في منطقة شينجيانج، وكل هذه المؤسسات تختص بالمواد الخام ومكونات صناعة الطاقة الشمسية.
بالطبع، تستند الحجة الأمريكية في وقف التعامل مع هذه الشركات، إلى ظروف العمل القسري التي تتبعها مع عمالها وموظفيها. وقد حذرت واشنطن كل الشركات الصينية الأخرى، بأنها ربما تدخل ضمن نطاق الحظر إذا ما ثبت أنها لا تلتزم بالقواعد الإنسانية في خطوط إنتاجها، وهذا يعني أن المسألة لن تتوقف على مجموعة من الشركات تختص بميدان واحد، خصوصا مع إدارة مثل تلك التي تحكم الولايات المتحدة حاليا.
ويعتقد الصينيون أن حكم منظمة التجارة العالمية، على الرغم من أنه ليس نهائيا بعد، يشجع على الحمائية التجارية. المسألة برمتها لا تتعلق فقط بنظرة الولايات المتحدة لأوضاع العمال في الصين، بل تشمل الجوانب المتعلقة بحماية الصناعة الأمريكية في مجال الطاقة الشمسية، ففي الأعوام التي سبقت وباء كورونا، ارتفع حجم استيراد الولايات المتحدة للخلايا الكهروضوئية بصورة كبيرة، ما هدد قاعدة الصناعة المحلية. ولذلك، فإن القرار الذي توصلت إليه منظمة التجارة العالمية، يختص فقط بالمبررات الأمريكية المعلنة رسميا، وهي تلك المتعلقة بظروف العمل القاهرة في المصانع الصينية المعنية.
المشكلة الرئيسة التي تواجه الصين حاليا، أن الطعن الذي تقدمت به لن يكون له أي أثر فوري، نظرا إلى الإجراءات البطيئة المتبعة في هذه المؤسسة الدولية. وفي كل الأحوال، ستبقى التوترات حاضرة وشديدة على الساحة بين واشنطن وبكين، ليس فقط على صعيد الصناعات الخاصة بالطاقة الشمسية، بل من جهة كل المنتجات التي تصل إلى الأسوق الأمريكية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي