خريطة تنموية برؤية اقتصادية
بكل ثقة يمكننا القول إن المملكة العربية السعودية اليوم تعيش نهضة اقتصادية تنموية تاريخية شاملة، وإنها ورشة عمل تحتوي على خريطة متنوعة لبناء المستقبل الذي يتركز على النظريات الاقتصادية الحديثة التي ترى ضرورة النظر إلى استخدام رأس المال بتنوعه كافة، وليس مجرد الأصول المالية فقط، بل رأس المال يتخطى الأدوات المالية، ليضم معها الأدوات المصنعة، والفكرية، والبشرية والاجتماعية والعلاقة برأس المال الطبيعي.
فتوفير رأس المال المالي يمثل جزءا بسيطا من أدوات إنتاج القيمة، ولم يعد بإمكان الأداء المالي وحده القدرة على إنتاجها، ولقد أثبتت أزمات الانهيارات المالية في العقد الأول من القرن الـ21 من أوله وحتى منتهاه أن الاقتصاد المتكئ على رأس المال المالي وحده لم يكن محصنا بما يكفي لمواجهة المخاطر في المستقبل، ولم يكن قادرا على ضمان استدامة إنتاج القيمة للمجتمعات بطريقة مستدامة، وإذا كان إنتاج القيمة يرتبط ابتداء بتحسن جودة الحياة، فإن هذا يرتكز على الاستخدام الأمثل لأكثر من نوع من أنواع رأس المال، ولكن هذا الوضع يتطلب النموذج من العمل من خلال دمج هذه الأنواع جميعا كمدخلات في نموذج أعمال واضح يسهم في بناء أنشطة تصنع القيمة في شكل مخرجات اقتصادية شاملة ومتنوعة.
فالمملكة التي تدار اليوم وفقا لمفاهيم اقتصادية متقدمة بناء على محاور رؤية المملكة 2030 الثلاثة وهي: مجتمع حيوي اقتصاده مزدهر ووطن طموح، ولتحقيق هذه المرتكزات لا بد من التوظيف الجيد والمتكامل لأنواع رأس المال كافة. في هذا السياق طرحت عدة برامج ومشاريع واستراتيجيات فإذا كان برنامج صندوق الموارد البشرية يسعى إلى تحقيق توظيف كامل لرأس المال المالي فإن برنامج تنمية الموارد البشرية يوظف رأس المال البشري، وبالأمس أطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان استراتيجية تطوير عسير «قمم وشيم» التي تمثل التوظيف الكامل لرأس المال الطبيعي وهذا التوجه يأتي إلى جانب عدة برامج مماثلة مثل استراتيجية تطوير العلا، التي توظف رأس المال الفكري والثقافي، فاستراتيجية تطوير عسير ستعتمد أساسا على ما يتوافر في المنطقة من إمكانات طبيعية تمثل رأسمال يمكن توظيفه من أجل إنتاج القيمة التي ستحقق الرفاهية للإنسان السعودي وجودة الحياة.
فالطبيعة التي توفرها عسير من قمم وقيم حضارية وتاريخية ومسارات وتنوع جغرافي غني يمكن تحويلها إلى وجهة سياحية عالمية تجذب عشرة ملايين زائر بحلول 2030، كما تستهدف الاستراتيجية، فالعالم يتطلع اليوم إلى اكتشاف ممرات جديدة ويبحث لمعرفة التنوع الثقافي المستند إلى تراث أصيل.
وسيتمثل التوظيف القوي لرأس المال الطبيعي في المنطقة في المشاريع الحيوية التي ستطور مناطق للجذب السياحي على قمم المنطقة الشامخة، ومن ذلك تطوير مطار دولي يسهم في الربط بين دول إفريقيا ودول شرق آسيا وبما يسهم في دعم التوظيف الكامل للموقع الجغرافي المميز للمملكة وقدرتها على الربط بين دول قارات العالم الثلاث، بما يعزز من دور النقل والقطاع وبما يحققه من قيمة مضافة مع السياحة بما يسهم في دفع عجلة النمو الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة، وتوفير فرص وظيفية ضمن برنامج لتطوير الموارد البشرية خاصة أن المنطقة تمتلك مقومات تعليمية كافية بوجود جامعة الملك خالد التي حققت تقدما كبيرا في مؤشرات جودة التعليم العالي، فتكامل البرامج من حيث وجود شركة تطوير السودة إحدى شركات صندوق الموارد البشرية ومع ضخ أكثر من 50 مليار ريال في مشاريع المنطقة موجهة لاستغلال الإمكانات السياحية في المنطقة مع توافر بنية تعليمية فإن التكامل بين أنواع رأس المال قد تحقق بشكل يعد بالكثير من توفير الفرص الوظيفية عالية المهارة، ورفع جودة الحياة والارتقاء بالخدمات الأساسية وتهيئة المنطقة لتكون وجهة عالمية طوال العام اعتمادا على مكامن قوتها الثقافية والطبيعية.