انقسام كبار المستثمرين حول اتجاه الأسواق الصينية
دفعت حملة الصين على المستثمرين الأجانب والمضاربة على العقارات المحلية عديدا من المستثمرين الدوليين إلى التوجه نحو بوابة الخروج. لكن راي داليو ليس من بينهم.
بدلا من ذلك، قال بريدجووتر أسوشييتس مؤسس صندوق التحوط الأمريكي، البالغة قيمته 140 مليار دولار وأحد أبرز المستثمرين الأجانب في البلاد، إنه تحدث مباشرة إلى مسؤولين من الحزب الشيوعي الصيني في الأسبوع الماضي، وشجعه ما سمعه.
قال الرجل البالغ من العمر 72 عاما، الذي زار الصين لأول مرة قبل 37 عاما، "في هذه المرحلة، تأكد لي أن هذا لا يعني أن الأجانب والمستثمرين الأجانب غير مرحب بهم"، لكنه اعترف قائلا، "نحن في بيئة مقلقة للمستثمرين". مع ذلك قال في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، "لا ينبغي تفسير دوافع الصين على أنها عودة إلى الماوية".
حملة بكين التنظيمية التي استهدفت قطاعات من ألعاب الفيديو إلى التعليم، قضت على أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم الصينية منذ ذروتها الأخيرة في منتصف شباط (فبراير).
ويقدر بنك جولدمان ساكس أن 3.2 تريليون دولار أخرى من رسملة السوق قد تتعرض لمزيد من عدم اليقين التنظيمي - ما يقارب سدس القيمة السوقية لجميع الشركات الصينية المدرجة. لكن داليو يقول إن بكين تسعى إلى "الرخاء المشترك" المنصوص عليه في خطة الرئيس شي جين بينج الخمسية الـ14 التي صدرت في آذار (مارس) الماضي. إنها تريد تصحيح فترة رفعت فيها الرأسمالية مستويات المعيشة، لكنها أوجدت أيضا "فجوة كبيرة في الثروة" و"كثير من المديونية".
في الأسبوع الماضي شعر المستثمرون في السندات الخارجية الصادرة عن شركة التطوير العقاري، إيفرجراند، في النهاية الواضحة لتدخلات بكين. فبحلول بعد ظهر الجمعة، لم يكونوا قد تلقوا بعد دفعة فائدة على حصصهم الكبيرة التي كانت مستحقة في اليوم الذي سبقه.
لقد تعرضت مجموعة العقارات الأكثر مديونية في العالم لضغوط حيث اتخذت السلطات إجراءات صارمة ضد الديون المفرطة في القطاع. ولديها فترة سماح مدتها 30 يوما قبل أن يؤدي أي فشل في الدفع رسميا إلى حدوث تخلف عن السداد. إن تفويت دفعة من شأنه أن يطلق أكبر عملية إعادة هيكلة في التاريخ المالي للصين، في قطاع يمثل نحو ثلث اقتصاد البلاد.
وحذر جيم تشانوس، البائع الشهير على المكشوف، هذا الأسبوع من أن أزمة إيفرجراند قد تكون أسوأ بكثير بالنسبة للمستثمرين في الصين من أزمة نظامية من "نوع ليمان" لأنها تشير إلى نهاية نموذج النمو القائم على العقارات في البلاد. أضاف أن الصين بحاجة إلى إيجاد "محركات نمو جديدة، أو التحول إلى الاتجاه الهبوطي إلى حد ما بشكل شبه دائم، إلى مستوى أدنى من النمو".
كان بعض آخر أكثر تفاؤلا، مؤكدين أن التدخل الحكومي في الصين ليس شيئا جديدا ولا يعرقل الاتجاهات الهيكلية طويلة المدى، مثل الطبقة الوسطى الصاعدة من المستهلكين.
وفقا لفريد هو، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمجموعة بريمافيرا كابيتال، والرئيس السابق لقسم الصين في بنك جولدمان ساكس، "سيكون من المبالغ فيه والخاطئ اعتبار الصين غير قابلة للاستثمار". والطريقة نفسها، لا يمكن لأحد أن يدعي بمصداقية أن أوروبا غير قابلة للاستثمار لمجرد أزمة ديون اليورو والأزمة المصرفية أو "بريكست"، أو أن الولايات المتحدة محظورة بسبب أزمة الديون العقارية التي تفتقر إلى الملاءة. لكن سيكون "مفيدا للغاية، إذا تمكنت السلطات الصينية من محاولة تحسين الاتصالات مع المستثمرين وتوفير درجة أكبر من اتساق السياسات والقدرة على التنبؤ". لقد تسببت أزمة "إيفرجراند" وقيود بكين في اضطراب الأسواق في الأشهر الأخيرة. لكن عديدا من المستثمرين الأجانب في الصين يصرون على أن آفاقهم الزمنية طويلة المدى تساعدهم على تجاوز التوترات قصيرة المدى.
قال هوارد ماركس، الشريك المؤسس لصندوق إدارة الأصول المتعثرة "أوكتري كابيتال مانجمنت"، "مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا واليابان، أعتقد أن الصين مراهقة اقتصاديا (...) إنها هائجة ومضطربة لكن أفضل عقودها تنتظرها".
أضاف، "الصين تعمل على النمو كلاعب مالي على الساحة الدولية في سياق أيديولوجيتها. إذا تصرفوا بطريقة غير مستساغة تجاه الغرباء، فلن يتقدموا بالطريقة التي يريدونها".
بدأت بكين حملة تنظيمية مفاجئة وواسعة النطاق في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عندما تم نسف طرح عام أولي ضخم بقيمة 37 مليار دولار لمجموعة المدفوعات الصينية، آنت، في اللحظة الأخيرة. بعد ذلك جاءت تدابير مكافحة الاحتكار وأمن البيانات ضد بعض أكبر شركات التكنولوجيا في البلاد، من بينها مجموعة التجارة الإلكترونية علي بابا، ومنصة توصيل الوجبات الجاهزة وخدمات نمط الحياة، ميتوان، وتطبيق ديدي تشكسنج للنقليات - التي كانت سابقا اختيارات شائعة في مجتمع المستثمرين العالميين.
بينما يحاول الرئيس شي إعادة تشكيل المشهد الثقافي والتجاري في البلاد كجزء من حملة "الرخاء المشترك"، فرضت بكين قيودا صارمة على مقدار الوقت الذي يمكن للشباب فيه ممارسة ألعاب الفيديو. كما حظرت قطاع التعليم الربحي وصعدت من انتقاداتها لصناعة الجراحة التجميلية.
وبعد إلغاء الاكتتاب العام الأولي لشركة آنت في اللحظة الأخيرة، خفض بن روجوف، مدير صناديق التكنولوجيا في بولار كابيتال ـ مقرها لندن ـ مراكزه في كل من علي بابا وتينسنت. قال روجوف، الذي أصبحت صناديقه الآن أقل ثقلا في الصين مقارنة بمؤشرها القياسي، "لقد فاتتنا الأسهم الصينية في الماضي، لكن هذا جيد لأن المخاطر السياسية أعلى مما نتصور".
أضاف، "في مجال التكنولوجيا، يوجد بالفعل آلاف الأسهم في عالمنا القابل للاستثمار. يمكنني بناء محفظة ذات مسار نمو يراوح بين 20 و25 في المائة مع قليل من التعرض المباشر للصين".
توقف كايل باس، مؤسس شركة هايمان كابيتال مانيجمنت، عن الاستثمار في الصين منذ 12 عاما، بعد دراسة النظام المصرفي للدولة واستراتيجية مسؤولي السياسات. قال، "قررت أنها سوق لن أستثمر فيها أبدا".
أضاف مدير الصندوق الذي يوجد مقره في دالاس، "السؤال المطروح على المستثمرين هو لماذا تستثمر في الصين في ظل كل هذه المخاطر. لا توجد سيادة قانون هناك، ولا توجد واجبات ائتمانية تجاه المستثمرين، ولا يوجد مستوى مناسب من التدقيق لشركاتهم".
كارسون بلوك، البائع على المكشوف ومؤسس شركة أبحاث مادي ووتر ـ مقرها تكساس ـ قال، "الصين هي التي تحكم القانون لكنها ليست دولة القانون. لن أتفاءل بالصين لأن الأرقام ليست جديرة بالثقة ولا شيء عنها جدير بالثقة".
لكن مستثمرين آخرين ينظرون في حملة "الرخاء المشترك" التي يقودها شي، فرصة لدعم القطاعات المتوافقة مع أهداف الحكومة، المتمثلة في بناء اقتصاد أكثر عدلا وإنتاجية.
من وجهة نظر هؤلاء المستثمرين الأكثر تفاؤلا، يسعى الرئيس شي إلى إعادة التوازن إلى الاقتصاد نحو النمو المدفوع بالاستهلاك، مع معالجة عدم المساواة ودعم الصناعات مثل الطاقة المتجددة، والتصنيع الصديق للبيئة، والرعاية الصحية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي وتلك التي تدعم مقولة "صنع في الصين". لقد أبرزت الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الحاجة إلى بناء سلسلة إمداد محلية وتقليل الاعتماد على الواردات من الولايات المتحدة. على أي حال، من المفيد أن تتماشى مع أجندة بكين، "الدرس المستفاد من الاستثمار في الصين هو أن تكون في الجانب الصحيح من سياسة الحكومة"، كما قال جاستن طومسون، رئيس الأسهم الدولية في مجموعة تي روي برايس.