سيولة مرتفعة وفائدة منخفضة

في زحمة الأزمة الاقتصادية الناشئة عن تفشي وباء كورونا، أقدمت الحكومات حول العالم على ضخ أموال ضخمة في اقتصاداتها، بعض منها إنقاذية، وبعضها الآخر لتحريك هذه الاقتصادات في زمن الانكماش الذي ضرب الاقتصاد العالمي كله، وعده مختصون، أنه الأعمق منذ أكثر من قرن من الزمن. وفي عدد من الدول، كان أقوى من ذلك، مثل بريطانيا التي أكد ريشي سوناك وزير ماليتها، أن الانكماش الذي لحق بها هو الأعمق منذ ثلاثة قرون.
لم يكن أمام الحكومات سوى التدخل لوقف تدهور اقتصاداتها، وتوفير السيولة اللازمة أو الطارئة لعبور الأزمة الاقتصادية، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه الحكومات تعاني أصلا أزمات ديون سيادية تعود إلى أعوام سبقت كورونا. وفي الواقع، كان ضخ الأموال يقوم أساسا على الاستدانة من أجل الإنفاق وتوفير السيولة، وهذه السيولة تبلغ حاليا على المستوى العالمي 27 تريليون دولار، أو ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي الدولي، وهذا لم يحدث في القرن الماضي، وهي تمثل بالفعل محركا قويا للآلة الاقتصادية عموما، ولولاها لتوقفت هذه الآلة عن العمل، ولدخل الاقتصاد في نفق أكثر ظلاما ومخاطرة على المدى البعيد. لكن السيولة المرتفعة، هي في حد ذاتها مولد للتضخم، وعامل مساعد لما يمكن وصفه بحرب عملات، إضافة إلى فقاعة عقارية محتملة.
وقد شهد العالم بالفعل مثل هذه الفقاعة في العقد الثامن من القرن الماضي، الذي أنتج أزمة اقتصادية عالمية ضربت الاقتصاد الدولي كله، واستمرت تداعياتها لأكثر من عقد من الزمن، ومن هنا، تبدو المخاوف من توافر السيولة المالية بهذا الحجم واقعية تماما، وتداعياتها حتى الآن غير واضحة المعالم بدقة.
في أعقاب طرح الرئيس الأمريكي جو بايدن حزم إنقاذ مالية ضخمة بلغ مجموعها نحو أربعة تريليونات دولار، وجد المشرعون الأمريكيون أن نسبة من المواطنين الأمريكيين، اعتمدوا على وفرة الأموال بين أيديهم، وعطلوا جهودهم حتى في البحث عن وظائفهم، وهذا يعزز بعض آراء المختصين الاقتصاديين، الذين أشاروا إلى أن السيولة المالية، تشبه إلى حد بعيد حالة أب يدلل أبناءه، حيث أثر ذلك فيهم بصورة سلبية في مرحلة لاحقة، عندما وجب عليهم مواجهة الحياة. هذا الأمر له علاقة بالجانب السياسي، فتوفير السيولة يسهم في توفير التسويق اللازم للحكومات، ما يدعمها في أي انتخابات مقبلة، بصرف النظر عن الآثار السلبية طويلة المدى للمديونية الحكومية في هذا البلد أو ذاك.
معدلات السيولة المرتفعة ترافقت مع معدلات فائدة منخفضة جدا، وبعض البنوك المركزية في الدول الغربية حددت فائدتها عند الصفر، وهذا ما يسهل الاقتراض من قبل الأفراد والشركات، فقد بلغت ديون الشركات غير المالية عالميا في عام 2018 أكثر من 71 تريليون دولار، هذه الأموال تسهم بصورة سلبية أيضا في تأخر الشركات والمؤسسات المدينة، في إعادة تنظيم ماليتها وهيكلتها، مستندة بذلك إلى تدني مستويات الفائدة. وهذا ما يرفع حدة المخاطر لاحقا على صعيد الإيفاء بالتزاماتها المالية، فضلا عن فقدان قدرتها على المنافسة الحقيقية.
والمشكلة الرئيسة أيضا، أن السيولة الكبيرة المتوافرة حاليا تستهدف فقط إدارة عجلة الاقتصاد العالمي، أي أن ذلك سيؤثر سلبا، وبصورة خطيرة في وتيرة الإنفاق على قطاعات دولية حيوية ومحورية، مثل الرعاية الصحية، والبنية التحتية، ومكافحة التلوث المناخي، وغير ذلك من مشاريع محلية عالمية في آن واحد. للسيولة الكبيرة الموجودة على الساحة العالمية حاليا، جوانب سلبية تفوق الإيجابية، صحيح أن المال "الرخيص" يحرك الاقتصاد، إلا أنه لا يوفر الاستدامة المطلوبة والأمان الواجب، لأي قطاع فيه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي