تكاليف خفية للأسعار الرخيصة والمشترين ذوي النفوذ
هناك قاسم مشترك بين عدد من الاضطرابات وحالات النقص التي سببتها الجائحة العالمية. سيطر المشترون ذوو النفوذ على بعض سلاسل التوريد واستخدموا قوتهم لتوفير أسعار منخفضة للمستهلكين. لقد تمتعنا بفوائد هذه الديناميكية لعقود، لكن الأزمة أظهرت تكاليفها الخفية للعيان.
في المملكة المتحدة، تعاني كل خطوة في سلسلة التوريد الغذائي نقص العمالة الناجم عن الطلب المتقلب، وعودة العمال المهاجرين إلى أوطانهم. أرباب العمل في قطاعات الزراعة وتصنيع الأغذية والنقل جميعهم يلقون باللوم على سبب جذري واحد. يقولون إنهم اعتمدوا على العمال المهاجرين لأنهم اضطروا إلى ضغط تكاليف العمالة لتحقيق الأسعار المنخفضة التي تطلبها محال السوبر ماركت الكبيرة.
الأسعار المدفوعة لمزارع المملكة المتحدة مقابل الفراولة، مثلا، بالكاد ارتفعت بين عامي 2008 و2018، حتى مع ارتفاع الحد الأدنى للأجور 37 في المائة. في ألمانيا، المزارعون غاضبون للغاية من الأسعار المنخفضة، حتى إنهم حاصروا محال السوبر ماركت بجراراتهم.
"إذا دخلوا عليك (المشترون من أصحاب السوبر ماركت) وقالوا إنك بحاجة إلى خفض سعرك 10 في المائة، مثلا، لأنه قد عرض علينا الحجم نفسه من شخص آخر (...) ما الذي أنت فاعل عندما يكون نشاطك التجاري بأكمله موجها لإمدادهم - بالتأكيد من الصعب جدا استبدال هذا الحجم بسرعة"، حسبما قال لي أحد المزارعين المقيمين في المملكة المتحدة.
يقول نيك ألين، الرئيس التنفيذي لجمعية معالجي اللحوم البريطانية، إن ضغط محال السوبر ماركت ساعد في عمليات الدمج في قطاع معالجة اللحوم: تم استبدال المسالخ الصغيرة والمحلية بأخرى كبيرة تقع في أماكن يصعب على العاملين المحليين الوصول إليها. وانخفض عدد مسالخ الخنازير في إنجلترا إلى النصف منذ عام 2000، متراجعا إلى 93 مسلخا، وفقا لبيانات من مجلس تنمية الزراعة والبستنة. أكبر 11 مسلخا تذبح 92 في المائة من خنازير البلاد.
المشترون ذوو النفوذ لا يقتصرون على صناعة المواد الغذائية. عندما ضربت الجائحة، كثير من التجار الكبار في قطاع بيع الملابس بالتجزئة حولوا تكلفة انخفاض الطلب على الموردين. مثلا، قالت شركة نيو لوك في المملكة المتحدة للموردين إنها ستعلق المدفوعات المستحقة لهم إلى أجل غير مسمى. وفي بنجلادش وجدت دراسة أن نصف موردي الملابس تلقوا إخطارات بإلغاء الجزء الأكبر من طلبيات قيد المعالجة، أو اكتملت بالفعل. ونحو 72 في المائة من المشترين من هؤلاء الموردين رفضوا دفع ثمن المواد الخام، مثل القماش، التي اشتراها الموردون بالفعل.
من الصعب المجادلة في حالة محال السوبر ماركت في المملكة المتحدة بأن الضغط على الموردين ساعدها على جني أرباح هائلة. هوامش التشغيل لمحال السوبر ماركت المدرجة "سينسبري" و"تيسكو" و"دبيلو إم موريسون" تراوح بين صفر و3 في المائة. وكان أداء أسهمها دون مستوى مؤشر فاينانشيال تايمز 100 لأكثر من عقد.
في العقود الأخيرة كانت سلطات مكافحة الاحتكار متراخية بشأن زيادة قوة المشتري طالما أنها لا تضر المستهلك. في الواقع، عندما أرادت شركتا "أزدا" و"سينسبري" في المملكة المتحدة الاندماج في 2018، جادلتا بأنهما من خلال تحولهما إلى مشتر أكبر، يمكنهما استخراج أسعار أقل من الموردين لإفادة الزبائن (في النهاية تم إيقاف الاندماج، لكن ليس بسبب المخاوف بشأن قوة المشتري).
لكن السياسة بدأت في التحول. في ألمانيا فرضت الحكومة قيودا على التوظيف بالتعاقد من الداخل في المسالخ، ما أدى إلى ظروف بائسة للعمال وتسبب في تفاقم تفشي كوفيد - 19. قالت وزيرة الزراعة، جوليا كلوكنر: "اللحوم رخيصة للغاية". أيضا وضعت قواعد جديدة لكيفية تعامل محال السوبر ماركت مع الموردين. في الولايات المتحدة، تريد لينا خان، الرئيسة الجديدة للجنة التجارة الفيدرالية، تغيير نهج تنظيم مكافحة الاحتكار. جادلت بأن "التركيز على رفاهية المستهلك يتجاهل مجموعة الطرق الأخرى التي يمكن أن يضرنا بها التركيز المفرط - ما يمكن الشركات من الضغط على الموردين والمنتجين (و) تعريض استقرار النظام للخطر".
في 2018 وجدت ورقة بحثية حول الاقتصاد الأمريكي أن الاعتماد على كبار المشترين يقلل من الأجور التي يدفعها الموردون، ويمثل 10 في المائة من ركود الأجور في الشركات غير المالية منذ السبعينيات. ربما عانى الابتكار والاستثمار أيضا. وخلصت ورقة بحثية عن صناعة الخنازير في المملكة المتحدة إلى أن العلاقات في سلسلة التوريد كانت غامضة وغير منظمة على نحو يحول دون استمرارية الاستثمار من جانب المنتجين والمعالجين.
أخيرا، هناك تكلفة لمرونة سلسلة التوريد. قد يكون النظام الخالي من الركود، حيث يتم استغلال الموردين والعمال إلى أقصى حد من المشترين الأكثر نفوذا، فعالا في معظم الأوقات. لكن، وفقا لما اكتشفناه للتو، عندما تحدث صدمة يمكن أن ينهار مثل هذا النظام بسرعة.
الأسعار المنخفضة مهمة للمستهلكين، خاصة ذوي الدخل المنخفض. ولكن في السعي الحثيث لتحقيق هذا الهدف، استبدلنا المرونة بالكفاءة. والآن نحن ندفع الثمن.