اليابان تعاني للحفاظ على حصتها من رقائق العالم
تخيل سائق دراجة يتضح أنه، بعد عقود طويلة من القيادة، أنه لم يعد صالحا للقيادة. إنهم يعلمون ذلك، والأشخاص حولهم يعلمون ذلك، لكن مواجهة الواقع أمر مؤلم جدا. إن القرارات العملية سيئة بما فيه الكفاية، ويكاد يكون الاعتراف بعدم الكفاءة والانحدار أمرا لا يطاق.
هذا، بصورة أو بأخرى، هو النحو الذي يرى فيه البعض صناعة شبه الموصلات اليابانية. فبعد أن كانت في وقت من الأوقات منتجة لأكثر من نصف رقائق العالم، فإنها تعاني اليوم للحفاظ على حصتها البالغة 10 في المائة على الرغم من التركز الهائل للمصانع والروابط الحيوية في سلسة التوريد العالمية. لم يتم تسليم مفاتيح السيارة بعد، لكن اللحظة المغيرة للحياة تلوح في الأفق.
في اليابان، حيث تتناسب الهيمنة السابقة لهذه الصناعة مع الحس القومي بالذات، من الصعب المبالغة في التعبير عن الانزعاج الذي تسببه هذه المشكلة. في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان الطلب العالمي الناشئ على رقائق الحاسوب بمنزلة هدية للاقتصاد الوطني الذي اهتزت ثقته بنفسه بسبب "صدمة النفط" في وقت سابق من ذلك العقد.
فجأة، أصبحت البلاد كثيرة التحسر بسبب نقص مواردها الطبيعية الذي تم التأكيد على أنه يشكل عبئا اقتصاديا تقود العالم في إنتاج سلعة من شأنها أن تنافس النفط وخام الحديد في الأهمية العالمية والاستراتيجية. على أن الأهم من ذلك، أنها كانت رائدة من خلال مهاراتها وتصميمها وليس من خلال الحظ الجيولوجي. لم تكن الرقائق، بالنسبة إلى اليابان، مجرد رمز مادي لمزايا التصنيع فحسب، بل كانت أيضا رمزا يمكن تداوله عالميا للطموح الصناعي.
تكمن المشكلة الآن في أن الآخرين، ولا سيما كوريا الجنوبية، وتايوان والولايات المتحدة التي أعيد نشاطها، قد أظهروا ذلك الطموح بشكل أكثر فاعلية خلال الـ30 عاما الماضية. وفي لعبة يقاس فيها الرهان المسبق بعشرات المليارات من الدولارات، فقد خاطروا بالتزامات مالية أكثر جرأة أيضا.
لبعض الوقت، كان الهبوط التدريجي لليابان في تصنيفات شركات صناعة الرقائق العالمية مصدر قلق لأولئك الذين توقعوا عواقب وخيمة لقدرتها التنافسية الصناعية الشاملة. وازدادت مخاوفهم عندما أصبحت القطاعات الأخرى القيمة، مثل السيارات، مستهلكة أكثر شراهة للرقائق. لكن يبدو أن معظم العاملين في الصناعة، إلى جانب القادة اليابانيين المتعاقبين، ينظرون إلى القضية على أنها فضول وليس أزمة.
فجأة، تغير ذلك. حيث بلورت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وهي شبح التوتر المستمر بين أكبر اقتصادين في العالم، الأهمية الاستراتيجية لصناعة الرقائق. أثر النقص المطول في الرقائق بعد جائحة كوفيد -19 بشدة في إنتاج كل شيء من السيارات إلى وحدات التحكم في الألعاب. كما أنه دفع إلى إعادة التفكير عالميا، مع توقع ظهور نظام عالمي جديد. تعهدت الولايات المتحدة بالاستثمار بكثافة في تأمين مركزها. وستفعل الصين ذلك أيضا. ولدى الاتحاد الأوروبي خطة ضخمة للحاق بهما.
في غضون ذلك، أدركت اليابان أن تراجعها كصانعة للرقائق ربما أصبح أمرا لا رجوع فيه - تماما في اللحظة التي تتطلب مهاراتها القديمة وطموحها بشدة. وضعت إحدى التوقعات الحكومية عام 2030 على أنه اللحظة التي يمكن أن تنخفض فيها حصة اليابان العالمية إلى لا شيء، وحذر رئيس الوزراء السابق، شينزو آبي، من ضرورة تناول القضية "على مستوى مختلف تماما".
وعلى الرغم من ذلك، الآن، فإن جهود وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في تشكيل جهد وطني للبقاء ضمن كبار اللاعبين بسرعة قياسية تفتقر إلى التمويل، والدبلوماسية والحماس اللازم للنجاح. إن الأمل ضئيل في إقناع اللاعبين الأكثر سيطرة في العالم بإقامة مسابك في اليابان.
تم تأكيد هذا الاستنتاج القاتم أخيرا في محادثة مع يوكيو ساكاموتو، وهو الرئيس التنفيذي السابق القاسي لشركة صناعة الرقائق اليابانية إلبيدا ميموري. وكان قد اختبر بنفسه الإخفاقات المتكررة لوزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة في تنظيم نوع من الخطة الرئيسة التي ربما تمكنت، في أوقات مختلفة منذ عام 1990، من استعادة هيمنة صانعي الرقائق اليابانيين. ويقول، إن الجهود الحالية، والمتأخرة بشكل رهيب، محكوم عليها بقلة الاستثمار، وقلة المهندسين والخبرة الحكومية القليلة للغاية.
ويقول ساكاموتو إنه لم يتم وضع استراتيجية اليابان بشأن أشباه الموصلات "من قبل شخص يعرف كثيرا عن أشباه الموصلات". وفي الوقت نفسه، فإن ثورتها الرقمية البطيئة نسبيا تعني أن عددا أقل من عملاء الرقائق المتطورة موجودون الآن على أرض الوطن.
إن ساكاموتو بالتأكيد في الطرف المرير من الطيف في هذه المسألة، لكن مخاوفه تشبه مخاوف الشخص المكلف بإخبار السائق المسن أن أيامه على عجلة القيادة قد ولت. إنها رسالة فظيعة لتسليمها ودائما ما ينتهي الأمر بإيصالها في أسواء وقت ممكن.