"رولز رويس" تتطلع إلى تحويل أكبر خطر يواجهها إلى فرصة
كانت شركة رولز رويس واحدة من أكبر الشركات الخاسرة من جائحة فيروس كورونا. أدى الانهيار في السفر جوا لمسافات طويلة إلى إيقاف تشغيل الطائرات الكبيرة التي تعمل بمحركات الشركة البريطانية، ما أدى إلى انخفاض عائداتها. في إحدى المراحل، أثيرت تساؤلات عما إذا كانت حكومة المملكة المتحدة قد تحتاج إلى التدخل لمساعدة الشركة.
لكن في الأسابيع القليلة الماضية، أظهر بعض المستثمرين تفاؤلا حذرا بأن التعافي ربما يكون قريبا: عادت رولز رويس إلى الربحية في النصف الأول من العام وأعلنت عن تقدم في خطة إعادة هيكلة شاملة من شأنها أن تلغي تسعة آلاف وظيفة. الذين درجوا منذ فترة طويلة على بيع أسهم الشركة ـ التي لا يزال سعرها منخفضا نحو 50 في المائة عما كان عليه في شباط (فبراير) 2020 ـ تحولوا الآن إلى مشترين.
إذا كان الانتقال إلى مرحلة الانتعاش يمثل تحديا فوريا لشركة رولز رويس، هناك تحد أكبر يلوح في الأفق: إقناع المستثمرين بأنها ستكون واحدة من الشركات الرابحة من جهود العالم لمكافحة تغير المناخ. مثلما هو الحال مع شركات الطيران الأخرى، تمثل إزالة الكربون تحديا كبيرا للمجموعة. قبل الجائحة كان نصف الإيرادات الأساسية السنوية لشركة رولز رويس، البالغة 15.4 مليار جنيه استرليني، يأتي من قسم الطيران المدني الذي تعمل محركاته على تشغيل بعض أكبر الطائرات في العالم.
قال أحد المخضرمين في الصناعة: "في الأعوام القليلة المقبلة، سيأخذنا تغير المناخ إلى أكبر خطر يواجه رولز رويس وإلى أكبر فرصة أمامها".
أصر وارن إيست، الرئيس التنفيذي للشركة، على أن إزالة الكربون تتيح فرصة تجارية وتعهد أخيرا بجعل جميع المحركات التجارية قيد الإنتاج قادرة على العمل بوقود مستدام بنسبة 100 في المائة بحلول 2023.
أشار مطلعون إلى اهتمام المجموعة بمجال الطائرات الكهربائية، ووقود الطائرات المستدام، والمفاعلات النووية الصغيرة، وإدارة أنظمة الطاقة باعتبارها دليلا على ضرورة أن ينظر إليها على أنها أكثر من مجرد شركة لصناعة توربينات الغاز ومحركات الديزل التي تحرق الوقود الأحفوري.
مع ذلك، لا تزال رولز رويس مثقلة بديون بمليارات الجنيهات من الجائحة. مجموعة كوزواي كابيتال الأمريكية للاستثمار، وهي أكبر مساهم فيها، حريصة على التغيير. أخبرت "فاينانشيال تايمز" الأسبوع الماضي أن مجلس إدارة الشركة بحاجة إلى "فكر جديد" لضمان امتلاكه الخبرة المناسبة للتعامل مع التحول إلى صافي انبعاثات صفري، إضافة إلى الخبرة الهندسية والمالية.
قال جوناثان إنج، مدير محفظة في شركة كوزواي: "تواجه الشركة بعض التحديات (...) نريد أشخاصا يبحثون عن حلول تطويرية".
تأتي دعوة إنج في لحظة حاسمة بالنسبة لقيادة الشركة. أنيتا فرو، رئيسة مجموعة كرودا Croda للمواد الكيميائية منذ 2015، ستتولى رئاسة شركة رولز رويس الشهر المقبل. عينت رولز رويس وسيطا مشتركا جديدا الأسبوع الماضي، باستبدالها "يو بي إس" بـ"جيفريز"، ليعمل جنبا إلى جنب مع "مورجان ستانلي"، ما يؤكد رغبتها في تجديد علاقتها مع المجتمع الاستثماري. لدى الشركة أيضا مدير مالي جديد، بانوس كاكوليس.
مرت "رولز رويس" بأعوام قليلة صعبة حتى قبل انتشار الجائحة. إيست الذي تولى منصب الرئيس التنفيذي في تموز (يوليو) 2015، أمضى أعواما في التعامل مع سلسلة من القضايا القديمة، بما في ذلك حالات فساد مزعومة، قبل أن يضع فيروس كورونا المجموعة في حالة من الانهيار.
قال إنج، من "كوزواي"، الذي زاد من حصته في "رولز رويس" في ذروة الأزمة العام الماضي، إنه يعتقد أن الشركة يمكن أن تخرج من ذلك بصورة أقوى.
علل ذلك بثلاثة أسباب: التحركات الجذرية لخفض التكاليف (وعدت شركة رولز رويس بأن تحقق إعادة الهيكلة 1.3 مليار جنيه استرليني من المدخرات السنوية) وبيع بعض الأصول. والمؤشرات على أن مشكلات المتانة والاستمرارية، المكلفة، بالنسبة لمحرك ترنت 1000على وشك الانتهاء. وحقيقة أن الشركة بنت حصة سوقية تزيد على 50 في المائة في فئة الطائرات الكبيرة ذات الهيكل العريض.
قال إنج: "لا توجد برامج جديدة للطائرات ذات الهيكل العريض، لذا لا يحتاجون إلى بذل جهد كبير من البحث والتطوير لإنتاج محرك جديد"، مضيفا أنه يأمل أن يكون "التدفق النقدي الحر للشركة أفضل" مما كان عليه قبل فيروس كورونا.
يأمل نيك كانينجهام، محلل في "إيجنسي بارتنرز"، الذي أصبح مشتر للسهم بعد أكثر من 30 عاما، أن يؤتي خفض التكاليف ثماره. وقال إنه نظرا للاستثمارات الضخمة التي كان على الشركة القيام بها في الماضي لبرامج المحركات الجديدة ، فإن "أعمال الطيران المدني التابعة لرولز رويس لم تتح لها الفرصة أبدا لتحقيق الأرباح".
التزمت شركة رولز رويس في آب (أغسطس) بتوجيهاتها بأن وضع التدفق النقدي الحر الخاص بها سيتحسن هذا العام - توقعت خفض تدفق النقد إلى الخارج الحالي من أربعة مليارات جنيه العام الماضي إلى ملياري جنيه. لكنها حذرت من أنها لم تعد تتوقع توليد 750 مليون جنيه من التدفق النقدي الحر العام المقبل.
أسئلة استراتيجية أكثر أهمية تلوح في الأفق. أثارت تعليقات إنج في "فاينانشيال تايمز" الأسبوع الماضي جدلا حول مستقبل أعمال أنظمة الطاقة الخاصة بشركة رولز رويس، التي تعمل محركاتها على تزويد السفن والقطارات بالطاقة. قال إنج إنه كان "عملا جيدا"، لكنه جادل بأن الشركة لديها خيارات عندما يتعلق الأمر بمستقبلها، مشيرا إلى أنها كانت "شركة تعمل بالديزل بشكل أساسي".
وهو يريد من الشركة إجراء مناقشة حول مزايا الاحتفاظ بهذا النوع من الأنظمة في الأعوام الثلاثة المقبلة. ستكون الشركات المنافسة لـ"رولز رويس" في مجال الفضاء، مثل مجموعة كيتربيلر Caterpillar الأمريكية، مهتمة بذلك.
بن ستوري، رئيس الاستراتيجية في الشركة، قال لـ"فاينانشيال تايمز" إن هناك "ثورة صامتة تحدث في أنظمة الطاقة"، مشيرا إلى التوسع الدولي في الصين والهند، إضافة إلى العمل المستمر في خلايا الوقود وأنواع الوقود البديلة.
أضاف: "بينما نتطلع إلى الأمام، بداية من المنتجات الفردية إلى حلول النظام، نشهد المزيد والمزيد من الاتصالات عبر أعمالنا بأكملها في كل ما نقوم به".
لا يزال يتعين على الشركة فعل بعض الأمور لإقناع السوق بأنها أصبحت الآن شركة أكثر انتشارا مكتلمة الأركان، من الطيران المدني إلى أنظمة الدفاع والطاقة.
كما تحتاج إلى إثبات قدرتها على جني الأموال من اندفاعها إلى الطاقة النووية الصغيرة والطائرات الكهربائية والطائرات الكهربائية الهجين. دخلت شركة رولز رويس أخيرا في شراكة مع شركة التاكسي الجوي، فيرتيكال إيروسبيس Vertical Aerospace، وتعمل مع شركة وايدرو Wideroe الاسكندنافية للطيران الإقليمي لتطوير طائرة ركاب كهربائية بالكامل. سيأتي اختبار مبكر لطموحاتها العام المقبل عندما تخطط المجموعة لتقديم تفاصيل مالية حول الحجم المحتمل لهذه الشركات إلى جانب نتائج العام بأكمله في آذار (مارس).
لا يزال بعض المخضرمين القدامى في الصناعة متشككين في أن هذه الشركات ستدر إيرادات كبيرة في أي وقت قريب. باعتبارها شركة لصناعة محركات الطائرات، كانت شركة رولز رويس "شركة لا نظير لها في أوروبا. ما تحتاج إليه حقا هو إعادة بناء الصدقية في مجال الفضاء"، بحسب أحد المخضرمين.