التحصين والإدارة السعودية الحصيفة
عاش العالم وما زال يعيش مع كورونا أزمة عميقة ومؤلمة بتفاصيلها، وبالعواقب والتداعيات على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، فما من دولة إلا ودخلها هذا العدو المجهري، ولم يكن أمام الجميع إلا الاعتماد - بعد توفيق الله - على الاحترازات الصحية، بدءا من استخدام الكمامات، والحجر الصحي الكامل، وتعطيل آلة العمل، واستخدام الأساليب المختلفة للإغلاقات. العالم شهد تفاوتا كبيرا في آليات اتخاذ القرارات الصحيحة وسرعة تنفيذها، وذلك لأسباب سياسية أو اقتصادية بحتة، رغم اتفاق الجميع على أن اعتبار الإجراءات الاحترازية المسار الآمن للشعوب.
وإزاء هذا الموقف الصعب واجه كثير من الدول نقصا شديدا في الموارد والمستلزمات الصحية حتى امتلأت القنوات الإعلامية في الأشهر الأولى لانتشار الفيروس بمشاهد محزنة أحيانا ومخجلة أحيانا أخرى على مستوى العالم، فمن كان يتصور أن تواجه بعض دول أوروبا نقصا حادا جدا في الكمامات الطبية، ومن كان يتصور أن تجد دول أخرى نفسها دون هيئة طبية متكاملة، ومن توقع أن تقوم الدول الأقل حظا بإنقاذ دول متقدمة وتوفر لها الأكسجين.
كل تلك المشاهد، التي دونتها سجلات التاريخ، ستظل تروي للأجيال قصصا مليئة بالعبر حول مدى تأثير الآلة الإعلامية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أسهم الجهل بحقيقة الفيروس وخطورته في موت كثير من الناس، وكيف تسبب البعض في موت أحبابهم بسبب عدم الالتزام بالإرشادات. وفي خضم هذا كله، ودون شك، سيذكر التاريخ بمداد من ذهب تلك الجهود الكبيرة، التي بذلتها حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، للعبور بسلام من خلال هذه الأزمة العالمية الكبرى. فمنذ اللحظات الأولى للجائحة، وجه الملك سلمان باتخاذ جميع الإجراءات والاحتياطات، وشدد على ضرورة الالتزام من جميع فئات المجتمع. وسيظل خطابه التاريخي بهذه المناسبة نبراسا لنا في المستقبل للمحافظة على الإنجازات بكل قوة مهما كانت التحديات والآلام، كما أن ذلك الخطاب يعد في الوقت نفسه نهجا شاملا لمكافحة الوباء.
فالرصيد الكبير من الخبرة والتجربة الإنسانية لدى خادم الحرمين الشريفين، وتعمقه في فهم التاريخ، والسياسة، ومتغيرات الزمان، منحته البصيرة - بفضل الله - في رؤية مسارات هذه الجائحة، وأنها لن تمر بسهولة على الاقتصاد المحلي، والعالمي، وسعى إلى تجنيب أبناء شعبه والعالم مخاطر هذه الكارثة الإنسانية بكل الوسائل، من خلال قيادته اجتماعات قمة العشرين. وقد تحققت إنجازات تاريخية كبرى، من بينها إعفاءات من الديون للدول الأكثر فقرا، وتأجيل الدفع لدول أخرى، ومنها أيضا دعم الاقتصاد العالمي بحزمة ضخمة بلغت 11 تريليون دولار هي الأضخم في التاريخ، وكذلك دعم الأنظمة الصحية العالمية لتسريع خطط اكتشاف اللقاحات المضادة.
وبفضل الله، تم اكتشاف اللقاحات في الوقت المناسب تماما، وبدأ العالم جهودا لا تقل أهمية عن جهود احتواء انتشار الفيروس. فلا بد للعالم من أجل نجاح اللقاحات والسيطرة على الفيروس أن يتم تطعيم 70 في المائة من كل مجتمع، وهذا تحد ضخم بكل المقاييس، فاللقاحات ليست متوافرة بالكمية نفسها لكل الدول، في حين أن بعض الدول التي كانت تعجز عن توفير الكمامات للناس كانت هي أيضا الأكثر عجزا عن توفير اللقاحات، ولدى البعض الآخر سوء إدارة للأزمة منذ اللحظات الأولى، وفشل في إقناع المجتمع بحقيقة خطورة الفيروس، فضلا عن تعريفهم وتشجيعهم لأخذ اللقاحات.
وهكذا، فإن فصول هذه المعركة التاريخية مع الفيروس لم تزل قائمة حتى الآن، ولم يزل العالم يواجه أخطاءه الكبيرة، وستتحمل الشعوب، التي فشلت في إدارة الأزمة منذ اللحظات الأولى، تحديات العودة إلى المسار الطبيعي، والتفاعل بسلاسة مع العالم، فالدول التي فشلت حكوماتها في توزيع اللقاحات لأسباب عدة ستظل في قائمة الدول الممنوع السفر منها وإليها، ما يفوت على شعوبها كثيرا من الفرص الاقتصادية لفترة ما بعد كورونا.
التاريخ يشهد أن السعودية بذلت ولا تزال تبذل جهودا كبيرة واستثنائية في هذه الأزمة التاريخية، وتعد مــن أوائــل الــدول التــي بــدأت الإجراءات الاحترازيــة والتدابيــر الوقائية، واستشعرت الخطـورة الكامنـة خلف هذا التفشـي، الذي تحول إلى جائحة عالميـة خـلال وقـت زمنـي قصيـر. لـم تقتصـر جهود الرياض في مواجهــة جائحــة كوفيــد - 19 علــى المســتوى المحلــي فقـط، ولكنهـا تجـاوزت ذلـك إلـى المسـتويات العالميـة، وذلـك لثقلهــا السياســي، والاســتراتيجي، والاقتصــادي.
تقرير وكالة "بلومبيرج" الدولية للأنباء عبر عن ذلك من خلال الإشادة بامتلاك السعودية أفضل أنظمة للتحصين في العالم، عادا أن هذا النظام المتقدم قد أسهم بشكل واضح في عودة الحياة إلى طبيعتها، وعودة طلاب المدارس إلى مدارسهم. كل ذلك كان - بفضل الله - ثم بتوجيهات وبدعم سخي من القيادة الحكيمة، إضافة إلى أنه في وقت قياسي منذ بدايات الأزمة تم تطوير أنظمة تقنية تسهل بشكل كبير عمليات تتبع الإصابات، وتسجيلها وتسهيل وصولهم إلى المراكز الصحية القريبة، التي انتشرت على مسافات لا تتجاوز خمسة كيلومترات من أي منزل تقريبا، وانتشرت الفكرة في القرى والهجر، لاحتواء الفيروس، وسهلت إجراءات الحجر الصحي والتعامل مع من أصيب، ووصلت الخدمات الصحية إلى غير القادر على الوصول. وقد كان تطبيق توكلنا أحد تلك التطبيقات النوعية، التي سهلت الحياة على الناس ومنحتهم الثقة، وأدت شفافية عرض البيانات إلى زيادة وعي المواطنين، والمقيمين، ورفع الثقة بالإجراءات الاحترازية، التي اتخذتها الدولة، ومضاعفة أعداد متلقي اللقاح. وفي الوقت نفسه، صاحبت هذه الأعمال حملات إعلامية مكثفة لتوعية الناس بخطورة المرض من جانب، وأهمية أخذ اللقاحات من جانب آخر.
تقرير "بلومبيرج" أثنى أيضا على استراتيجية تعميم التطعيم للجميع، التي كان لها أثر واضح في رفع معدل تلقي اللقاحات، فقد بلغت نسبة الأشخاص، الذين حصلوا على لقاحات كاملة نحو 42 في المائة من السكان بمختلف جنسياتهم، كما تلقى نحو 63 في المائة جرعة واحدة على الأقل، بما في ذلك 99 في المائة من طلاب المدارس العامة، الذين تراوح أعمارهم بين 12 و18 عاما، وسيتم - بعون الله - تحصين 70 في المائة على الأقل من السكان بشكل كامل بحلول تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.
هذه شهادة عالمية ضمن شهادات أخرى حصلت عليها السعودية في جانب التحصين، والإجراءات الاحترازية القوية، والإدارة الحصيفة للأزمة، وهي بذلك تسجل نجاحا في جميع مراحل مواجهة هذه الجائحة منذ اللحظات الأولى، ولم تميز في شأن إتاحة الفحص المجاني لكل من هو على أرضها، بغض النظر عن حتى نظامية وجوده، وذلك في وقت كانت بعض الدول العالمية تناقش تكلفة الفحص ومن يتحملها.
وبينما كانت الدول تناقش أسعار اللقاحات وتوزيعها بشكل عادل، كانت المملكة توزعها مجانا للأشقاء، والشعوب الصديقة، التي تعاني انتشارا شديدا للفيروس مع منحها دعما لوجستيا صحيا، وجسورا جوية من الأكسجين والأجهزة، والمستلزمات الطبية. ولهذا، تتمتع السعودية اليوم، بحمد الله، ثم بفضل السياسات الحكيمة والسخية، بوضع اقتصادي وصحي مميز مع إعادة فتح الحدود أمام حركة المسافرين والبضائع.