امتثال وتوازن ومعالجة الفائض

التناغم الكبير بين حجم المدخلات من الطاقة التي تطرحها أسواق النفط، وبين حجم النشاط العالمي مهم للغاية، وتجاهل أحد طرفي هذه العلاقة التعادلية تنتج عنه اختلالات كبيرة طويلة المدى، ويصعب معالجتها في وقتها. فالإفراط في إنتاج النفط بأكثر مما تحتاج إليه آلة الاقتصاد يتسبب في تراجع حاد في الأسعار والاستثمارات، وهذا الوضع يستمر طويلا حتى تستهلك كامل المخزونات فترتفع الأسعار بحدة متسببة في موجة تضخم عالمية، وبذلك تهتز الثقة في الأسواق مع انخفاض في مخزونات السلع الأساسية.
ورغم وضوح هذه العلاقة والتجارب العالمية المريرة في هذا الاتجاه، إلا أن التعامل معها ليس من السهولة، فأسواق النفط تواجه منافسة من مصادر متزايدة من الطاقة البديلة، وهي تضخم إنتاج الطاقة بشكل قد يتجاوز حاجة الاقتصاد العالمي، بينما هذه المصادر غير قادرة على معالجة الاختلالات في الإمدادات، فيما لو تأثرت إمدادات النفط. كما أن المنتجين في أوقات عدة يفقدون الحماس الكافي للعمل المنظم وحوكمة الإنتاج والأسعار والحصص، وقد يتحول عدم الانضباط في هذه الناحية إلى حرب أسعار، وفي المقابل فإن المستهلكين يمارسون ضغوطا لتخفيض الأسعار، وزيادة الإنتاج، وبعضهم يقدم مصالح سياسية آنية على مصالح اقتصادية طويلة الأجل.
وهنا أيضا نلاحظ أن المضاربات على الأسعار التي تمارس ضغوطا هائلة باتجاه التوقعات برفع الإنتاج أو تخفيضه، كل هذا يجعل التعامل مع السوق النفطية ومعالجة اختلالاتها وقراءتها عملا صعبا ولا يجيده إلا الكبار، وإذا ذكر الكبار يتبادر إلى الذهن السعودية لأنها هي الوحيدة القادرة على صنع سياسة السوق، وعلى ضبط الإيقاع، دون النظر إلى الضغوط السياسية، أو ضغوط المضاربات، وهدفها الوحيد الذي منحها ثقة العالم توفير إمدادات واقعية لآلة الاقتصاد العالمي، لضمان مستويات مرضية للجميع من الأسعار ومن المخزونات.
عندما نشير إلى أن السعودية هي القادرة على إدارة وقيادة السوق النفطية فإن الأحداث التي شهدتها السوق خلال أزمة انتشار فيروس كورنا قدمت دليلا لا شك فيه على ذلك، فالرعب الذي أصاب البعض من تراجع الاقتصاد العالمي نتيجة الإغلاق المفاجئ والاحترازات الصحية المحكمة تسبب في سباق محموم على رفع الإنتاج دون النظر إلى حاجة الاقتصاد العالمي الذي تراجع بشكل صاعق، ولم يعد أحد يصغي لصوت الحكمة، حتى اضطرت السعودية لقرع أجراس الإنذار، ودعوة الجميع للعودة لاتفاق "أوبك +".
وكان الحل في العودة بسرعة لمعالجة الفائض، فتم إقرار تخفيض الإنتاج بشكل جماعي في كل العالم تقريبا حتى في المكسيك التي تعد خارج المنظومة، وكان التحدي هو في الالتزام، ولهذا تقدمت الرياض وخفضت الإنتاج بشكل طوعي، فوق مستويات التخفيض المخصصة لها، حتى استطاعت العودة بالإنتاج العالمي إلى مستويات حاجة الاقتصاد العالمي، ثم كانت العودة السريعة أيضا للاقتصاد العالمي الذي عاد للنمو بقوة وبنسبة تجاوزت 5 في المائة في عام 2021، وهي التي وصفت بأقوى وتيرة للنمو في 80 عاما، وهذا عزز الطلب العالمي بسرعة كبيرة ما جعل الجميع يعود إلى السباق مرة أخرى للفوز بالحصص.
كما أن هناك ضغوطا من الأسواق تترقب زيادة الإنتاج، وضغوطا من الاقتصادات الكبرى لإعادة ملء مخزوناتها، ولكن تحالف "أوبك +" لم يزل قادرا على ضبط الاحتياج الفعلي وليس الاستجابة للضغوط، وهنا الفرق الكبير الذي أحدثته السياسة الجديدة للسوق النفطية التي تتولى القيادة السعودية إدارتها بكل اقتدار وكفاءة، فلم تعد السوق النفطية مجرد انعكاس واستجابة للضغوط، ولم تعد الاتصالات والعلاقات مقطوعة بين المنتجين والتنافس سيد الموقف، بل أصبحت عبارة الامتثال العالمي من قبل الدول الأعضاء هي مفتاح التوازن، وهو الالتزام النابع من الحوار الجاد، والمناقشات.
وهنا لا بد من نشير إلى النمو الحالي للاقتصاد العالمي الحالي يعاني تفاوتا كبيرا بين نمو قوي وانتعاش في بعض الاقتصادات الكبرى، في مقابل تراجع وركود في الكثير من الدول الأفقر، وهناك أيضا ضبابية بسبب هذا التفاوت من حيث عدم اليقين بحالة الاقتصاد العالمي بحلول عام 2022، نظرا لوجود متحورات للفيروس الذي ما زال يمثل خطرا، ومع ذلك فإن الاستقرار في أسواق النفط قد انعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد العالمي، وهناك حالة من التفاؤل، فالامتثال العالي للاتفاق منح الفرصة للجميع للعودة الهادئة والتركيز على معالجة آثار الجائحة، وتوزيع اللقاحات، دون القلق من الحصص أو إمدادات الطاقة.
وقد ذكرت تقارير أن "أوبك +" قد استعادت بالفعل نحو 45 في المائة من إنتاج النفط الذي خفضته في بداية الوباء وستستمر في إضافة 400 ألف برميل يوميا كل شهر حتى أيار (مايو) 2022 حتى تعود إلى مستويات الإنتاج قبل الوباء. ولولا مثل هذا الالتزام لارتفعت الأسعار فوق مستويات 100 دولار، وكانت مثل هذه الأسعار كفيلة بتعطيل عجلة النمو العالمي، لكن الاجتماع الوزاري الشهري أصبح يمثل أهمية بالغة للاقتصاد العالمي، وهناك حالة ترقب لمخرجاته. ففي الاجتماع الـ10 لـ"أوبك +"، الذي ترأسه الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، كان هناك اتفاق بأن آثار الجائحة لا تزال تلقي بحالة من عدم اليقين على الصناعة، ولهذا فإن الأداء الإيجابي للدول، ومنح فترة تعويض لبعض الدول ذات الأداء الضعيف قد مكن اجتماعات "أوبك +" من تحقيق أهدافها، ومواصلة خطة الإعادة التدريجية للإمدادات النفطية.
وهنا يتضح تماما أن ثقل الرياض ودورها الريادي وما قامت وتقوم به أعاد صياغة العلاقات في السوق النفطية وفقا لتفاهمات "أوبك +"، هي التي منحت الأسواق كل هذه الثقة. كما أنه لم يعد للضغوط المختلفة علاقة بإدارة السوق، وقد أشاد بذلك عدد من الخبراء وذكر رئيس المبادرة الأوروبية للطاقة، أن "أوبك +" حققت تفاهمات سريعة لتحقيق التوازن في السوق، وأنها تثبت بشكل دائم، قدرتها المميزة على إدارة السوق وفق سياسات هادئة ورشيدة وعدم الاندفاع للدعوات سواء من الدول المستهلكة، أو بعض القوى الدولية، كما حرصت المجموعة على تأكيد الجماعية، والتوافق وبذل كل جهد مطلوب لاستقرار وتوازن السوق.
ويقول مساعد مدير بنك "زد. إيه. إف." في كرواتيا إن السوق كان يتوقع منها تشديدا أكثر بسبب المعروض، حتى إن البعض داخل "أوبك" توقع أن تكبح المجموعة الإمدادات مرة أخرى، وسط تباطؤ السوق، لكن التفاهمات عادت بصورة هادئة، وطبقا لنائب رئيس الوزراء الروسي، فإن التحركات المشتركة أتاحت التخلص من فائض النفط الذي تراكم عندما كان الطلب منخفضا، بينما يذكر وزير النفط الكويتي، أن المجموعة تمكنت من دعم صناعة النفط العالمية خلال أزمة كوفيد - 19، وإعادة التوازن والاستقرار إلى الاقتصاد العالمي.
الخلاصة: الاستماع لصوت الحكمة والعقل كفيل دائما باقتصاد عالمي متزن واستقرار مستدام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي