هدر وجوع .. لا مساواة

يعانى العالم صورا شتى من التفاوت الاقتصادي الذي يطلق عليه أحيانا اللامساواة، التي يجد فيها قلة من البشر فرصا أفضل بكثير من الجموع الأكبر، فبينما يمتلك 26 شخصا في العالم ثروة تضاهي ما يملكه نصف سكان العالم مجتمعين، فإن أكثر من 70 في المائة من سكان العالم يعانون تزايد التفاوتات في الدخل والثروة، لكن كما يقول أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، فإن الدخل والأجور والثروة ليست هي المقاييس الوحيدة لمظاهر اللامساواة، فهناك نوع آخر مختلف وهو اللامساواة حتى في هدر الطعام على المستوى العالمي.
ويجب ألا يفهم من هذا، المطالبة بالمساواة في الهدر، ولكن الفهم كيف نرى أن أرقام الهدر قد تجاوزت مليار طن من الغذاء كما أكد تقرير لـ"الاقتصادية" أن هذا الرقم يعادل ثلث الطعام المخصص للاستهلاك البشري حول العالم، وعندما ندرك أن واحدا من كل تسعة أشخاص على المستوى الدولي يعاني نقص التغذية، وهناك نحو 690 مليون شخص عانوا الجوع حول العالم في عام 2019، فإننا أمام مظهر جديد من مظاهر عدم المساواة.
ففي التقرير الذي شارك فيه عدد من الأساتذة المتخصصين في علم الاقتصاد في العالم، بآرائهم لفهم أبعاد هذه المشكلة، تبين أن هدر الأغذية الجاهزة للاستهلاك يعد مشكلة حصرية في البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع التي تهدر قدرا ليس بالشيء الصغير من الغذاء فهو يوازي ما تنتجه جميع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يبلغ حجم إهدار الطعام في الولايات المتحدة فقط نحو 40 في المائة بتكلفة سنوية تقدر بـ218 مليار دولار. ويشير التقرير إلى أن المستهلكين في البلدان المتقدمة وبكل أسف يلقون خمس مشترياتهم من المنتجات الغذائية في مكبات النفايات، وأن نحو 90 في المائة من الطعام الذي يلقى في القمامة يمكن تناوله بأمان.
ومن هنا يمكن القول إن هدر الغذاء يعد من أكثر المسائل انتشارا في مختلف دول العالم. إذ تصدرت هذه المشكلة أولى اهتمامات الأمم المتحدة نظرا إلى تداعياتها السلبية بيئيا واجتماعيا واقتصاديا. ووفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يهدر سكان العالم ثلث الغذاء الموجه للاستهلاك البشري، وتقدر الكمية المهدورة من الغذاء عالميا بنحو مليار و300 مليون طن سنويا، تصل قيمتها إلى 980 مليار دولار.
هذا وتعد الفواكه والخضراوات، خاصة الخضروات الجذرية من أكثر أنواع الأغذية المهدورة، وتصل نسبة هدرها إلى ما بين 40 و45 في المائة، تليها اللحوم والأسماك ومنتجات الألبان بنسبة 35 في المائة، ثم الحبوب والبذور الزيتية بنسبة 30 في المائة. ويتم تسخير 38 في المائة من إجمالي الطاقة المستهلكة في النظام الغذائي العالمي لإنتاج أغذية مفقودة أو مهدورة. وبحسب تقارير المنظمة الدولية، يسهم الهدر المنزلي في هذه المشكلة، لأنه يهدر سنويا أطنانا من الأطعمة نتيجة سوء التخزين أو تكديس كميات منها تفوق حاجة الأفراد.
وهكذا تبدو اللامساواة فبينما تعاني فئات كبيرة من البشر يقوم البعض برمي خمس مشترياتهم من الغذاء القابل للاستهلاك، هناك شخص من بين تسعة أشخاص يعاني الجوع. لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى الأسباب التي تؤدى إلى هدر الطعام، فبينما تشير الدراسات إلى أن هدر الطعام في الدول الغنية يعود إلى ارتفاع معايير الجودة الواجب توافرها في المواد الغذائية فيؤدي إلى رفض المحال التجارية والمستهلكين عديدا من الأطعمة الجيدة والصالحة للاستخدام، ولمجرد أنها لم تلب معاييرهم المتعلقة بالحجم واللون، بينما الأمر مختلف تماما في الدول النامية حيث إن المشكلة ليست في الهدر المتعمد بل في عدم توافر أساليب وإمكانات ووسائل جيدة لحفظ الطعام بعد إنتاجه، وهذا مظهر آخر من مظاهر عدم المساواة، فالمجتمعات الأقل دخلا تواجه مشكلات في تخزين الطعام وآليات حفظه بشكل لا يقابل معايير الجودة التي يتم طلبها من الدول الأكثر دخلا، ما يتسبب في تلفه قبل استهلاكه، والمحصلة التساوي في الهدر واللامساواة في أسبابه، وإذا كانت الدول المتقدمة تعتمد في توفير مخزونها من الغذاء على الدول الأقل دخلا، فإن تلف المحاصيل ونقص معايير التخزين والحفظ يقود إلى أزمة في سلاسل التوريد ويفاقم المشكلات حتى في الدول المتقدمة.
وبالعودة إلى التقرير، المبني على استطلاع رأي علماء الاقتصاد والأغذية، فقد أوضح أن العديد من المحال التجارية والمطاعم في كل بلد تقريبا تعاني نقص مخزونها من المواد الغذائية، ما دفع المطاعم إلى الإغلاق. والحل يكمن في وجود تعاون دولي يقوم على منح الدول الأقل دخلا فرصا أفضل في رفع معايير توفير الغذاء وجودته، وبما يحقق مساواة بين المجتمعات في نوعية وشكل وكمية الغذاء، خاصة أن استمرار هذا الاتجاه نحو انخفاض كفاءة الغذاء وإنتاجه يسهم في تنامي انخفاض الطلب، ويؤدي إلى فقدان الوظائف، ومعالجة سلاسل التوريد بدءا من الإنتاج وآليات الحفظ والتوزيع، بعد ذلك نضمن تقليص الهدر من الغذاء والمساعدة أيضا على تنامي فرص العمل، ويحد من الجوع في نهاية المطاف أو المسار.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي