بالأرقام .. إنجاز لاقتصاد متنوع
يواجه عدد من الدول صعوبات في عودة النشاط الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الجائحة لمشكلات مختلفة، معظمها ذات علاقة بسياسات الإغلاق، وتطبيق الاحترازات الصحية الشديدة، وبالشحن الدولي، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى ارتفاع أسعار الشحن العالمية بصورة تعطل عودة عجلة الاقتصاد بالسرعة الكافية، إلى جانب أن عددا من الدول المصدرة للمواد الأساسية للتصنيع لا يزال تحت وطأة الجائحة والإغلاق.
وفي هذا الوقت المعقد، والصعب، والضبابية العالية ينجح الميزان التجاري للسلع السعودية خلال حزيران (يونيو) الماضي، في تسجيل فائض قدره 38.69 مليار ريال، الذي يعد الأعلى في 17 شهرا، وبذلك يرتفع منذ بداية العام إلى 170.7 مليار ريال، وهو مؤشر يدل على قوة الاقتصاد السعودي، وأن عجلة النمو عادت بوتيرة مرتفعة، مع المحافظة على المكتسبات التي حققها الاقتصاد خلال الفترة الماضية، وهذا يعود بعد فضل الله إلى الخطط الاقتصادية الحكيمة بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
ومن هنا تعد سياسة التنويع الاقتصادي أحد الأهداف الاستراتيجية التي تبنتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030، من أجل دعم خطط التنمية الاقتصادية، حيث ركزت تلك الخطط على أهمية تنويع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع النمو في قطاعات أخرى، وذلك بهدف التقليل من التأثيرات السلبية للأزمات، والصدمات الخارجية المحتملة، نتيجة اعتماد النمو على قطاع واحد.
السعودية بذلت خلال الفترة الأخيرة جهودا كبيرة ومقدرة في تحقيق التنويع الاقتصادي، وتهيئة الفرص والتحديات التي تواجه عملية تحقيق التنويع الاقتصادي، وقياس أثر سياسة التنويع في النمو الاقتصادي في البلاد.
المحافظة على فائض الميزان التجاري يعد إنجازا في حد ذاته رغم الإغلاق الاقتصادي العام الذي تم تبعا للاحترازات الصحية، إضافة إلى تراجع أسعار النفط بشكل قياسي في بدايات الأزمة، وانتشار الفيروس في العالم، والارتباك الذي انتشر في الأسواق. كل ذلك كان كفيلا بأن يعيد أي اقتصاد إلى الوراء لأعوام عديدة، لولا أن الاقتصاد السعودي كان قد حقق قفزات قوية قبل الجائحة، خاصة في شأن تعزيز الاقتصاد غير النفطي، ودعم قدرات القطاع الخاص، وتحسين آليات التصدير.
هذا العمل الكبير يظهر في شكل مؤشرات اقتصادية من بينها فائض الميزان التجاري، فقد بلغت الصادرات "نفطية وغير نفطية" في حزيران (يونيو) الماضي ما قيمته 84.73 مليار ريال، مقابل واردات بقيمة 46.03 مليار ريال، لتبلغ التجارة الخارجية السلعية 130.76 مليار ريال خلال الشهر ذاته، مرتفعة 44.8 في المائة عن الشهر نفسه من 2020. ولو افترضنا أن الاقتصاد السعودي لم يحقق تلك الإصلاحات قبل الجائحة، وظل الاعتماد الأساسي على النفط، فإنه من الصعوبة بمكان المحافظة على فائض تجاري بهذا الحجم المتميز. ويعد الفائض التجاري مهما للغاية في أي دولة حيث يعطي مؤشرات قوية على قدرة الاقتصاد على المنافسة في الأسواق العالمية، وأن المنتجات تجد طلبا فعالا ومستمرا.
هذا النجاح للاقتصاد السعودي يعود إلى عدد من العوامل مجتمعة فخلال خمسة أعوام مضت على إطلاق الرؤية، تم العمل بشكل كبير على بناء قدرات المصدرين السعوديين، وتقديم الدعم والمساعدة في إيجاد المشترين من خلال المعارض الدولية، والبعثات التجارية، ما أسهم في رفع تنافسية المنتجات السعودية.
ولا شك أن الإجراءات الصحية القوية التي اتخذتها الحكومة السعودية في بدايات الأزمة مكنت الاقتصاد من العودة بسرعة لمستويات ما قبل الجائحة في الوقت الصحيح، فلم تخسر المنتجات والشركات السعودية أسواقها، ولم يتأثر الطلب بشكل بالغ، ونستذكر هنا حديث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في بدايات الأزمة، وتأكيده على ضرورة المحافظة على الإنجازات. فالأرقام اليوم تشهد على ذلك وتعد دليلا واضحا على تحقيق النتائج الملموسة، حيث يتبين المحافظة على قوة الطلب على المنتجات السعودية.
ارتفاع الصادرات السعودية غير النفطية بشكل قياسي خلال حزيران (يونيو) الماضي بنسبة 40.5 في المائة، لتبلغ 23.6 مليار ريال، مقابل 16.8 مليار ريال في الشهر ذاته من 2020، يعد أيضا شاهدا على عظم الإنجاز، وأهمية دور رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد، ودعم القطاع غير النفطي.
ويلاحظ من خلال المؤشرات أن الطلب على المنتجات السعودية ليس مرتكزا على منطقة واحدة، أو سوق معينة، وهذا يضمن للمنتجات السعودية المحافظة على مستويات طلب فعالة. المنتجات السعودية غير النفطية حققت رقما مميزا وذلك بالوصول إلى 148 دولة حول العالم، وهذا يؤكد التنوع الواضح في الأسواق، والمناطق، والانتشار الجغرافي، وبالتالي ضمان سير مكينة التصدير للوجهات العالمية بكفاءة واقتدار، والرفع من مكانة المنتج السعودي، وتنافسيته عالميا، ودعمه للاقتصاد السعودي بما يتسق مع مستهدفات رؤية 2030.