رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هشاشة الإنتاج وتعثر النقل

فرض فيروس كوفيد ـ 19 تحديات قوية على اقتصادات معظم دول العالم على مستوى النشاطات والقطاعات التجارية الحيوية اليومية كافة، وهذا الوضع أثر في أداء ومؤشرات نمو الاقتصاد العالمي، ونتج عنه إغلاقات واسعة النطاق، ووجهت جائحة كورونا ضربة موجعة إلى الاقتصاد العالمي الذي يعاني أساسا الهشاشة وأصيب بأزمة لم يشهدها منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وإزاء هذه الظروف الاقتصادية العصيبة يمر العالم أجمع بمرحلة ما بعد كورونا، والجميع يكافح ويجتهد من أجل العودة إلى مستويات الإنتاج التي كانت فاعلة قبل الجائحة، وترصد المؤسسات الإعلامية والمنظمات الدولية يوميا عديدا من التقارير التي تقيم الحالة الراهنة للقطاعات الاقتصادية والصعوبات التي تواجهها. وملخص تلك التقارير يفيد بأن الأمر أصبح يشبه حالة ما بعد الإعصار، فالأنين يسمع في كل مكان تقريبا، والناس تتفقد ممتلكاتها وما بقي منها، وهناك متضررون بشكل مباشر مثل قطاع السياحة والإيواء، والنقل الجوي، وهناك من تأثر بشكل غير مباشر مثل قطاع النقل والخدمات اللوجستية. وإذا كانت القطاعات التي واجهت الجائحة بشكل مباشر وتتطلب الأمر أن تغلق أبوابها وتسرح موظفيها قد حظيت بدعم من الحكومات وتسهيلات مالية للحفاظ على الأعمال والعمالة، وإذا كانت بعض الشركات استطاعت المواجهة من خلال العمل عن بعد، فإن مرحلة ما بعد الجائحة قد كشفت عن أضرار جسيمة تحملتها قطاعات أخرى كان يعتقد أنها بعيدة عن المواجهة.
وأفردت "الاقتصادية" تقريرا مفصلا عن قطاع النقل البري كأكثر المتضررين. ولأن عديدا من الدول قد سمحت بأعمال النقل البري في ذروة الجائحة خاصة عند التنقل بين الدول، وكان يعتقد أنها بعيدة عن الأضرار الجسيمة التي واجهتها شركات أخرى كان إجبارا عليها إغلاق مكاتبها. ولهذا السبب بالذات لم ينل هذا القطاع حقه من المراقبة وتفحص هيكلته وقياس مدى حاجته إلى الدعم.
وقدم التقرير الذي استعرض هيكل قطاع النقل في العالم، صورة شاملة عن الأسباب التي أدت إلى تدهور حالته، فالمشكلة الرئيسة لم تكن في القطاع نفسه، بل لقد كان واعدا بشكل لافت، فكما يشير الاتحاد الدولي للنقل البري أن الطلب العالمي على النقل البري كان في ارتفاع قبل الجائحة، وأسهم في نقل 20 تريليون طن من البضائع في 2015، وكان يتوقع أن تصل الحمولة الإجمالية للبضائع المنقولة برا إلى 31 تريليون طن في 2030، وأن ترتفع إلى 51 تريليون طن في 2050.
فلم يكن القطاع يعاني مشكلات مباشرة، ولكن تفشي المرض تسبب في حدوث اضطرابات في عمليات سلسلة التوريد فتوقفت المصانع عن الإنتاج وتراجعت الأسواق عن الطلب، فلم يعد هناك ما يمكن للشركات في هذا القطاع أن تنقله، فلا إنتاج هناك ولا طلب. استمرت هذه الأحوال والمشكلات مع طول سلسلة التوريد لعدة أشهر كانت كفيلة بأن تتسبب في بقاء الآلاف من وسائل النقل عالقة في أماكن بعيدة من العالم.
وفي هذا الصدد نشير إلى نقاط مهمة عن حالة قطاع الشحن البحري ومشكلة الحاويات التي علقت في أماكن لم تستطع العودة للحياة الطبيعية، ما تسبب في حالة ارتباك كبيرة في الشحن البحري مع تناقص الحاويات، وهذا أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الشحن وتراجع المساحات المتاحة. فهذه الحالة في الشحن البحري لم تكن كذلك للشحن والنقل البري، فإذا كانت الشاحنات البرية في المكان والوقت الصحيح فلم تكن هناك حاويات كافية لنقلها لظروف الشحن البحري الشحيحة.
وفي هذا الوقت الصعب كانت الرسوم التي تفرض على سيارات الشحن كما هي لم تتغير وكذلك رسوم التأمين، وبذلك ارتفعت التكاليف مع بقاء الطلب عند مستويات متدنية جدا ما صنع مشكلة في التدفقات النقدية مع بلوغ مؤشرات التدفق النقدي مستويات حرجة ونقصا في السيولة المالية.
تواجه صناعة النقل البري التجاري موجة من الإفلاس، لأن إجمالي الخسائر العالمية للقطاع هذا العام في مجال نقل السلع بلغ نحو 347 مليار دولار، وهذا على مستوى السلع فقط، بينما الخسائر التي تكبدها قطاع النقل البري على مستوى خدمات نقل الركاب بلغت نحو 543 مليار دولار، بينما بلغت نسبة تسريح الموظفين في هذا القطاع نحو 30 في المائة على المستوى الدولي، وهذه الخسائر تأتي بالتزامن مع ضعف حصة شركات النقل البري من الدعم الحكومي في مختلف دول العالم، فقد كانت الشركات تواجه موجة إفلاس كبيرة، وهي ظاهرة اقتصادية تتزامن مع تناقص الطلب والانكماش الحاد.
وهكذا يظهر قطاع النقل ضحية لأحداث ما بعد كورونا، فهو لم يجد دعما كافيا، ومع عودة الاقتصاد إلى الانفتاح بعد الإغلاق عاد الجميع إلى العمل على الشاحنات، لكن لم يكن هناك نقل لمشكلات سلاسل التوريد وعدم قدرة الاقتصادات العالمية على العودة المتزامنة.
وفي حالة اقتصادية كالتي يمر بها هذا القطاع ولكون العودة مرتبطة بقطاعات اقتصادية أخرى وهي تواجه مشكلات كبيرة مثل قطاع الشحن البحري والسياحة عموما، فإنه من غير المحتمل أن يكون هناك تحسن ملحوظ في قطاع النقل البري فيما تبقى من هذا العام، ومن غير المحتمل أيضا حدوث خلل كبير في هيكل هذا القطاع، بسبب عدم جاذبيته حاليا. لكن مع عودة الشحن البحري الكبيرة والمتوقعة عام 2022 لعودة الاقتصاد العالمي للنمو، فإن الدول التي استطاعت دعم قطاع النقل البري والمحافظة على الشركات فيه، من خلال الإعفاء من الرسوم وتخفيف تكاليف التأمين، هي الدول التي ستكون في مأمن من تعطل سلال الإمداد لضعف هذا القطاع، وأما الدول التي لم تدعم القطاع تعثرت فيها الشركات وتعطلت وسائل النقل البري أيضا، فإن عليها مواجهة استمرار ارتفاع أسعار النقل فترة أطول من غيرها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي