رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ازدهار مربك وتضخم مستعر

قد لا ينسى العالم بسهولة مشاهد صور السفن المتكدسة في البحار البعيدة أملا في الوصول إلى أي ميناء قريب، بعد إغلاق موانئ مراسيها في وجه السفن التجارية منتصف العام الماضي بسبب جائحة كورونا، إضافة إلى الإغلاق الكبير الذي شهدته الاقتصادات العالمية من الصين حتى الولايات المتحدة، مرورا بمنطقة اليورو.

ومع هذه الحيثيات الصعبة، كانت صورة الاقتصاد العالمي قاتمة جدا وغير متوازنة، مع تجربة لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وظهرت معالمها من خلال تراجع كبير وسريع في الطلب العالمي، كان السبب وراء التراجع في التجارة العالمية في 2020، وانكماش بلغ 8 في المائة عند المتوسط، وتجاوز 11 في المائة في بعض الدول الأوروبية.

ومع تراجع حجم الطلب، تراجع العرض أيضا، مع انخفاض المخزون من البضائع في جميع الشركات، وفي مختلف القطاعات، وتكدست الحاويات في مناطق بعيدة من العالم، فمن يرغب في حمل حاوية فارغة ومن سيستقبلها.

في ذلك الوقت كانت كل حكومة تعمل جاهدة على دعم اقتصادها وتماسكه وعدم انهياره بالكامل، حتى تكون العودة للنمو سريعة بعد التعافي من الفيروس، ونتج عن ذلك سباق محموم على توزيع اللقاحات بين الدول الغنية، في حين أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية إلى تباطؤ واضح، سواء في مواجهة الفيروس، أو في تلقي اللقاحات في بعض دول العالم.

ونتيجة لكل هذا التنوع والاختلاف في آليات التعامل مع التباطؤ الاقتصادي، أو في معالجة آثار انتشار الفيروس أو حتى في توفير اللقاحات، فقد عاد العالم إلى فتح اقتصاده تمهيدا للحياة الطبيعية بطريقة غير متسقة، وبالتالي لاحظنا ازدهارا اقتصاديا مختلف السرعات بشكل أربك حركة التجارة العالمية، كما بينته التقارير، خاصة فيما يتعلق بتراكم الحاويات في الموانئ التي لم تعد إلى وضعها الطبيعي.

وفي ظل هذا الوضع غير المستقر، ومع تباطؤ الطلب العالمي، من اللافت اليوم أن نشهد سباقا محموما بين الشركات العالمية على الشراء، خاصة في الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، وبعض دول أوروبا مثل ألمانيا، الاقتصاد القوي على مستوى القارة العجوز، في محاولة على نحو متعجل لملء مخزوناتها.

وجاء تصدر الولايات المتحدة هذا السباق بالنظر إلى أن اقتصادها قد انتعش بوتيرة أسرع من غيره مقارنة بأوروبا. ففي أحدث تقرير اقتصادي، تبين الاختلاف بين الاقتصادين الأوروبي والأمريكي، ويعود ذلك إلى التوسع في توزيع اللقاحات، وتخفيف الإجراءات الاحترازية، وعمليات إعادة الفتح المبكرة بصورة أسرع، وأكثر جرأة من الجانب الأوروبي.

وهذا الوضع منح الولايات المتحدة أولوية بزيادة شحنات البضائع من الصين إلى الولايات المتحدة حاليا بنسبة بلغت نحو 30 في المائة، بينما زادت تلك النسبة إلى أوروبا بنحو 10 في المائة، فقط.

لكن هذه السرعة ليست بالضرورة ميزة اقتصادية، فقد أدى هذا التسابق مع ضعف سلاسل الإمداد، خاصة سعة الحاويات، إلى تأخير في التسليم، قد يصل إلى عدة أشهر، في وقت كانت السلع المتكدسة تنتظر من يشتريها قبل الجائحة، وارتفاع تكلفة الشحن، وهذا ما تشهده جميع القطاعات الاقتصادية اليوم.

وعلى مستوى العالم، تؤكد شركات التأمين وجود اختناقات مستمرة في سلاسل التوريد، ولا سيما في سفن الشحن نفسها، وفي أعداد الحاويات القابلة للتسليم، وحدوث أطول تأخيرات في التسليم منذ عقد من الزمان. وبالتأكيد كان لكل هذا الخلل في التوازن بين العرض الطلب الناتج عن التزاحم حول عمليات وشركات الشحن، أثر واضح في ارتفاع متسارع في الأسعار، والتضخم مع مخاوف من عدم قدرة البنوك المركزية على السيطرة عليه.

وإذا كان التحسن في الطلب الكلي قد تسبب في زيادة الأسعار نحو 15 في المائة، فإن السعي وراء زيادة المخزونات ومع بقاء سعات الشحن محدودة، قد ضاعف الأسعار 50 في المائة.

لكن السؤال هنا يكمن في: هل سيبقى الحال كما هو عليه الآن؟ مع الأسف، الوضع مرشح لمزيد من الصعوبات، والتضخم، واختناق سلاسل التوريد، مع عودة شبح الإغلاق للموانئ العالمية الكبرى، فهذه الصين قد علقت عمليات الشحن في ميناء نينجبو تشوشان ثالث أكثر موانئ العالم ازدحاما بالسفن وحركة شحن الحاويات التجارية، بعد ثبوت إصابة عامل هناك بفيروس كورونا، علما بأن محطة ميشان لديها قدرة استيعابية تصل إلى عشرة ملايين حاوية، الأمر الذي يهدد بحدوث تأخير إضافي، ورفع أسعار السلع في العالم، فيما يعد هذا ثاني إغلاق لميناء صيني بسبب كورونا.

ومع بقاء الاستثمارات غير الكافية في النقل البحري وعودة الدول المتعجلة للتفاعل مع الاقتصاد العالمي، وطلب حصتها من السلع، والسباق المحموم لملء المخزونات بسرعة، فإن التضخم العالمي سيزداد ارتفاعا، خاصة إذا ما وضعنا في الحسبان عودة الحكومات إلى تنفيذ ما توقف من مشاريع التنمية.

تدرك البنوك المركزية والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية مخاطر ارتفاع التضخم في مقابل تأخر الاستعداد لمواجهته، فالنشوة التي يعيشها الاقتصاد العالمي اليوم قد تنقطع وربما تتلاشى غدا، إن لم يتم وضع حلول اقتصادية تضع التضخم عند مستويات معقولة اقتصاديا أيضا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي