رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لا هدر للإنجازات .. حوكمة ونزاهة

لا يمكن التعايش مع الفساد، كما لا يمكننا التعايش مع الإرهاب، كلاهما وجهان لعملة واحدة، ويهددان السلم، والأمن، والأخلاق، والقيم، ولا يتماشيان مع صناعة الإنسان، والحضارة، فهما يدمران الإنجازات، ويهددان المشاريع الاقتصادية.

 

وإذا كان العقد الاجتماعي الذي اتفقت عليه الأمة وبه تم إنشاء الأنظمة والتشريعات، وتم تبرير استخدام الأموال، والمنافع والأصول من أجل تحقيق أهداف المجتمع كله، وليس لكسب منافع شخصية بحتة، فإن الفساد يدمر اللحمة الوطنية من خلال سعي المفسدين وراء أهدافهم الشخصية على حساب مصالح الأمة، وهم في مؤامراتهم هذه يستخدمون الأموال المتاحة لهم بكل الطرق.

كما أن أهداف المفسدين منصبة على تحقيق الثروات والفوز بالمناقصات والمشاريع التي لا يستحقونها وليسوا أهلا للقيام بها، وهم بذلك يسعون للوصول إلى الفاسدين الآخرين من أمثالهم، حيث يستميلونهم بالرشوة مرة، وبتقاسم الأموال مرة أخرى، وفي كل الأحوال هناك دائما جريمة لإخفاء مصادر هذه الأموال، من خلال عمليات غسل أموال عبر الجريمة المنظمة.

 

ولأن الفساد يهدد الإنجازات باستخدام الأموال في غير ما خطط لها، فإنه لا يكفي مجرد التهديد بالعقاب، بل يجب أن يكون الردع حقيقيا وفاعلا، وفي معركتنا ضد الفساد، كما كانت معركتنا ضد الإرهاب، فإن الرسائل يجب أن تصل إلى كل الأطراف المتورطة في الفساد وأن تكون واضحة، وقوية جدا، وقاسية، وأن تنفذ بشدة، ودون تهاون.

ولقد انطلقت حملات مكافحة الفساد والمفسدين في المملكة العربية السعودية بتوجيهات حازمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وها نحن نتابع كل حين صدور أحكام قضائية رادعة، ومحكمة.

 

في حين كانت رسائل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في هذا الشأن واضحة، وقوية جدا، وبالتالي فإن نهج السعودية في مكافحة الفساد يعزز الإصلاحات انطلاقا من إدراكها لتأثيره.
ومن هذا المنطلق، شهد ملف مكافحة الفساد في السعودية تطورا ملموسا انعكس على جهود الإصلاح التي تشهدها المملكة في إطار عملية التحديث والعصرنة التي طالت جميع مفاصل الدولة ضمن رؤية 2030، منذ موافقة مجلس الوزراء على تنظيم هيئة مكافحة الفساد، وتعزيز مبدأ الشفافية، ومواجهة الفساد المالي، والإداري بشتى صوره.

وجاء إعلان هيئة الرقابة ومكافحة الفساد «نزاهة» عن قضايا جنائية متعلقة بالفساد، انطلاقا من إدراك السعودية لتأثيره، وخطره اقتصاديا، واجتماعيا، وأمنيا، وثقافيا.

 

وفي كل قضايا الفساد، نجد أن من تورط فيه قد استخف بحق المجتمع والأنظمة، ووجد فرصته في منصب، أو مشروع، واعتقد أنه إذا استغل هذه الفرصة وهذا المنصب سيفلت من الرقابة والملاحقة والقضاء، على أساس أن المنصب بحد ذاته يمنحه القوة النظامية لتحقيق مآربه.

والحق أن الفصل واضح بين من يتخذ قراراته في منصبه من أجل المصلحة العامة، وبين من يتخذها لتحقيق مصالحه الشخصية.

 

وفي هذا الصدد، كشفت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد عن صدور أحكام قضائية لعدد من منسوبي شرطة إحدى المناطق، ومحافظ إحدى المحافظات، وإدانة قاض، ومدير إدارة نزع الملكيات في إحدى الأمانات، وكذلك موظف في النيابة العامة وضابط برتبة رائد.

 

كل هؤلاء المتورطين ظنوا أن مناصبهم قادرة على منحهم الفرصة والغطاء لارتكاب الفساد، لكن الإجراءات الرقابية، سواء السابقة التي في داخل المنشأة الحكومية، وإجراءات الحوكمة، أو تلك الأدوات الرقابية التي من خارج المنشأة نفسها، مثل هيئة الرقابة ومكافحة الفساد أو الديوان العام للمحاسبة، كل هذه الإجراءات مجتمعة كفيلة بتقرير ما إذا كانت تصرفات صاحب المنصب تقع ضمن مفهوم المصلحة العامة، أو تقع ضمن مفهوم الفساد، والفرق دائما واضح، فإذا وضع الشخص مصالحه الشخصية أولا وحاول استغلال منصبه من أجل ذلك فقد وقع في الفساد.

وقد يظن البعض أن الأدوات الرقابية وإجراءات الحوكمة تنصب فقط على من هم في داخل المنظمات الحكومية، وسينجو منها من يعمل من خارج هذه المنظومة.

 

ولهذا، تؤكد هيئة الرقابة ومكافحة الفساد على ما قاله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، من أنه لن ينجو أحد تورط في الفساد.

 

لذلك، فإن التحريض على الفساد أو الإسهام في ارتكابه، من خلال السماح للشركات والمؤسسات الخاصة بالتغطية على الأموال المستخدمة، أو المتحصلة من الفساد، هو فساد أيضا وتجرمه الأنظمة، وإعلان الهيئة إدانة هؤلاء وهم خارج منظومة الحوكمة في المنشآت الحكومية، يؤكد مفهوم الردع، وأن هذه المنظومة تعمل بمراحلها ومستوياتها كافة، وقادرة على تتبع المفسدين واكتشافهم.

كل الأحكام التي صدرت تؤكد أن مواجهة الفساد في السعودية لا تعرف الاستثناءات، لأن هذا الملف يشكل أولوية قصوى، من أجل دعم سياسة الإصلاح الشامل.           

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي