رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


«الدائري للكربون» .. أعدل وأشمل

أولت المملكة العربية السعودية مبكرا اهتماما بالغا للحفاظ على البيئة، عبر سياسات داعمة واستراتيجيات ثابتة، ومبادرات مؤثرة محليا وعالميا. حيث شجعت هذا التوجه لأسباب عديدة، في مقدمتها المسؤولية التي ألزمت نفسها بها، إلى جانب - بكل تأكيد - الدور الذي تلعبه الرياض على الساحة الدولية في مختلف المجالات، ومن بينها الحفاظ على البيئة العالمية وإمداد أسواق الطاقة بشكل مستمر ومستدام وتوازن ثابت، وتوفير الوسائل الضرورية لضمان وصول إمداداتها بطرق آمنة.
وبالطبع، تأتي المشكلة الناجمة عن الكربون على رأس توجهات المملكة في هذا المسار، لارتباطه المباشر بكل أنواع الطاقة. وعلى هذا الأساس، عززت دورها في هذه القضية على الساحة العالمية، وهو ما أكده مجددا وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، بقوله: "لن نكون أبدا جزءا من المشكلة، ولن نرضى أن نكون جزءا من الحل أيضا. فهدف البلاد أن تكون رائدة على صعيد الحلول".
وفي هذا الميدان الأمر ليس سهلا، خصوصا أنه لا توجد طريقة واحدة لحسم الحلول الناجحة، بل هناك طرق كثيرة ومتعددة الجوانب يساند بعضها بعضا. وهذا ما تستند إليه السلطات المختصة في المملكة، إضافة إلى وجود الإمكانات والكفاءات لتحقيق كل الأهداف المرجوة في هذا المجال. فالاقتصاد الدائري للكربون، واحتجاز الكربون على وجه الخصوص، ميدان جديد. وهناك كثير من الأدوات والآليات والمخططات التي تظهر لتحقيق النتائج المطلوبة. وتسعى السعودية إلى الوصول لأعلى مستوى في علاج هذه القضية التي تندرج أساسا ضمن استراتيجيتها العريضة بالحفاظ على البيئة والمساهمة المباشرة في مواجهة التغير المناخي، وتوفير القواعد المستدامة لتأمين مناخ الكرة الأرضية بأقل الأضرار الممكنة، ولا سيما في ظل الظواهر الطبيعية الخطيرة التي يشهدها العالم يوميا في كل أرجائه، من فيضانات وجفاف وحرائق وأمطار وأعاصير مدمرة.
الرؤية السعودية لمبادرتها في الاقتصاد الدائري للكربون، أوضحها الأمير عبدالعزيز بن سلمان، عبر التأكيد على استخدام صيغة الجمع بدلا من الكربون فقط، أو غاز أكسيد الكربون. بمعنى آخر، الانبعاثات التي تنتشر في الأجواء، ليست فقط تلك الناجمة عن الكربون، بل ثمة غازات أخرى تسبب الانبعاثات الخطيرة أيضا، وليس ببعيد عنا ما رصدته منظمة دولية مستقلة أخيرا عن تزايد انبعاثات غاز الميثان من منشآت أمريكية وأوروبية. وهنا تظهر نقطة مهمة تتعلق بضرورة أن تشمل المسؤولية الجميع دون استثناء، وأن تكون مستندة إلى مسألة إسهامها في تراكم الانبعاثات، وبناء على ظروفها المحلية.
وفكرة الاقتصاد الدائري الكربوني خرجت من العاصمة الرياض للعالم متضمنة حلولا عادلة وشاملة بحسب ظروف كل دولة، حيث تهدف إلى دعم إنتاج جميع أنواع الطاقة الموجودة على سطح الأرض، في ظل ضوابط مبنية على الإمكانات المتاحة لجعلها مستمرة، وفي الوقت ذاته تحد كثيرا من آثار التغير المناخي.
والسعودية فرضت نفسها ضمن الدول الفاعلة في مبادرات الطاقة وحماية المناخ، بعد أن وجدت ترحيبا دوليا عبر "قمة الرياض" لقادة دول مجموعة العشرين عام 2020 في طرحها لاستراتيجية مفهوم الاقتصاد الكربوني الدائري الذي بدوره سيشكل ابتكارا بارزا في تقليص معدل الانبعاثات الكربونية، وذلك بعد أن وضعت بصمتها الخاصة. وبالتالي يمكن وصفها بأنها مبادرة سعودية عالمية لاستدامة الطاقة وحماية البيئة.
والحق أن السعودية حققت تقدما كبيرا وتجاوزت كثيرا من الدول في التعامل مع انبعاثات الميثان، بل حتى ثاني أكسيد الكربون، ولا تتوقف عن تقديم المبادرات النوعية في هذا المجال، بما في ذلك الحراك المشترك بين القطاعين العام والخاص.
ومبادرات المملكة متنوعة، وتشمل استثمارات متعددة في كل الصناعات، بما في ذلك الصناعات التحويلية، عبر استخدام التقنيات الحديثة المساعدة على الحد من الانبعاثات الكربونية. بل هناك طرح يدخل المؤسسات المالية في هذا الميدان عبر ربط تمويلاتها للمشاريع بمدى المستوى الذي تصون عبره البيئة بشكل عام. فهذه الصناعات يمكنها أن تجد طرقا متعددة ومبتكرة لاستخدام ثاني أكسيد الكربون. دون أن ننسى مبادرات شركة أرامكو في استخلاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، وفي إطار مساهمتها المباشرة في خفض الانبعاثات الكربونية. ولدى أرامكو القدرة على استخلاص 40 مليون قدم مكعبة قياسية يوميا من ثاني أكسيد الكربون، ومعالجتها في معامل الشركة، وإعادة حقنها في مكامن النفط. إنها عملية متطورة جدا، بدأت أصلا منذ عام 2015، وتعاظم إنتاجها حتى هذا اليوم.
كل هذا يدخل مجددا ضمن الاستراتيجية السعودية العامة للحفاظ على البيئة العالمية واستدامة الطاقة بكل أنواعها المختلفة، وقيام الرياض بدورها المحوري للحد من ظاهرة التغير المناخي وما نتج وينتج عنها.
وبالعودة إلى اتفاقية باريس للتغير المناخي لمواجهة تداعيات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لبلوغ الحياد الصفري خلال النصف الثاني من القرن. فبينما كانت الدول الصناعية المتقدمة هي المتسبب الأول في التلوث، فمن المفترض أن تأخذ زمام المبادرة وتحقق هذا الحياد بأسرع وقت ممكن. علما أن الاتفاقية أعطت الدول النامية مجالا أوسع في هذا المجال لتحقيق تنميتها المستدامة مثلما استفادت منه الدول المتقدمة.
لكن  الأكيد أن المبادرة السعودية "الاقتصاد الدائري للكربون" توفر كثيرا من الحلول العادلة والشاملة لجميع الدول المعنية بالاتفاقية من خلال بدائل تقنية مبتكرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي