صناعة الدواء ومكاسب الأزمات
جائحة فيروس كورونا أسهمت في جني الشركات المنتجة للقاحات مليارات الدولارات خلال العام الحالي، مع توقع استمرار الأرباح الطائلة خلال العام المقبل، في الوقت الذي تشهد فيه شركات الأدوية منذ زمن طويل قفزات كبيرة على صعيد نموها وتعاظم أرباحها عبر ارتفاع إنتاج اللقاحات، نظرا إلى كثرة الإقبال عليها. الإنفاق العالمي على الدواء بلغ في العقد الماضي نحو تريليون دولار سنويا، ما يبرر ارتفاع عدد الشركات المتخصصة في صناعة الدواء في العقدين الماضيين، فيما شهدت أسهم الشركات في القطاع ارتفاعات في معظم الأسواق العالمية، حتى عندما تتعرض هذه الأسواق للتراجع، أو الاضطراب في التعاملات، ولو حدثت التراجعات فعلا فلا تصل عادة إلى مستويات متدنية.
ومع ذروة جائحة كورونا في العام الماضي، واتساع رقعتها حول العالم، واستمرار وجودها حتى اليوم، تتطلع دول العالم إلى شركات الأدوية، بحثا عن لقاحات لفيروس كوفيد - 19 الذي أصاب نحو 204 ملايين شخص حول العالم، فيما بلغ عدد الوفيات نحو 4.31 مليون شخص، ووصل انتشاره إلى 220 دولة على مستوى العالم. بالطبع، ارتفع حجم الإنفاق على الأدوية أكثر بعد ظهور اللقاحات ضد كورونا، فقبل هذا الوباء كانت التوقعات تشير إلى وصول حجم الإنفاق العالمي سنويا إلى 1.5 تريليون دولار، بسبب التطور الحضري واتساع رقعته، ولا شك أن شركات الدواء استفادت بصورة كبيرة من اللقاحات ضد كوفيد - 19 على الرغم من أنها تعرضت لبعض الضغوط من الحكومات حول العالم لتخفيض أسعار هذا النوع من منتجاتها، علما بأن البيع والعوائد المالية يعدان مضمونين.
ولأن العالم كان ولا يزال متعطشا لمزيد من اللقاحات، بصرف النظر عن طبيعتها، فقد بلغت عوائد الشركات التي أنتجت اللقاحات المعروفة حاليا مستويات كبيرة، ففي غضون أقل من نصف عام درت اللقاحات 10.8 مليار دولار على "فايزر"، و5.9 مليار لـ"موديرنا"، و1.1 مليار لـ"أسترازينكا"، و264 مليون دولار لـ"جونسون آند جونسون". هذه العوائد لا تزال في مراحلها الأولى، علما بأن جهات دولية متعددة، إضافة إلى حكومات في الدول المانحة، تتقدم بطلبات على اللقاحات لتوفيرها بأسرع وقت، وبأكبر زخم لعدد كبير من الدول الفقيرة حول العالم، أي أن أوامر الطلب جاهزة، والأموال حاضرة أيضا، ما سيرفع زخم الأموال الداخلة إلى خزائن شركات الأدوية إلى معدلات كبيرة.
إنتاج اللقاحات، سيزيد أيضا من النمو المتوقع لمؤسسات الأدوية عموما، دون أن ننسى أنها تمنح التراخيص اللازمة لشركات أقل منها حجما هنا وهناك ما يرفع حجم الحراك عموما، بل تنوعه جغرافيا، إلى جانب ارتفاع الطلب العالمي على اللقاحات بكل أنواعها، فمتحورات كوفيد - 19، تنشر الرعب في الأرجاء، بينما لا يتجاوز عدد أولئك الذين حصلوا على جرعتي لقاح حول العالم 16 في المائة.
أمام الطلب على اللقاحات، وربما توسع دائرة انتشار متحورات كوفيد - 19 في مرحلة لاحقة من هذا العالم، تتوقع مؤسسة مثل "فايزر" الأمريكية أن تصل مبيعاتها من اللقاح بحلول نهاية العام الجاري إلى 33.5 مليار دولار. وحتى شركة بايونتيك التي يعد اللقاح إنتاجها الوحيد، تتوقع أن تصل مبيعاتها هذا العام إلى 15.9 مليار يورو، بينما تشير التوقعات إلى أن شركة موديرنا الأوروبية ستحقق عوائد تصل إلى 20 مليار دولار.
وبالفعل، سترتفع هذه العوائد في الفترة المقبلة، لأن الطلب على اللقاحات يرتفع أيضا، فضلا عن وجود مخصصات مالية جاهزة للإنفاق، سواء من الدول ذاتها، أو المؤسسات الدولية المعنية بالصحة العالمية والتنمية. هذا الارتفاع في دخل شركات الأدوية ليس غريبا في أوقات الأزمات الصحية، ففي السابق حققت هذه الشركات عوائد كبيرة عبر إنتاج الدواء واللقاحات ضد أوبئة مختلفة مرت على هذا العالم.