دعم انتقائي أم ديون متراكمة؟
واجه الاقتصاد الأوروبي عموما أزمة عميقة خلال جائحة كوفيد - 19، وما زال يعاني تداعيات هذا الفيروس، إضافة إلى التراجعات التي كان يعانيها سابقا، إذ سجل العام الماضي انكماشا تاريخيا مع تراجع الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة كبيرة، فيما أثار بطء حملات التلقيح مخاوف من أن يكون تعافيه صعبا، ولذلك ليس المتوقع أن تشهد القارة الأوروبية انتعاشا سريعا في اقتصادات دولها. كما أن هناك حالة ارتباك حقيقية في مسألة الإبقاء على حزم الدعم التي طرحتها الحكومات في الاتحاد الأوروبي، لتوفير السند اللازم لاقتصاداتها في مواجهة الأزمة التي جلبها فيروس كوفيد - 19 للعالم أجمع.
فهذه الحكومات تسعى إلى إنهاء هذه السلسلة المساعدة للاقتصادات عبر تقليص حجمها شيئا فشيئا، على اعتبار أن مستويات النمو بدأت تظهر على الساحة، بصرف النظر عن درجة استدامتها. وحكومات الاتحاد الأوروبي، كغيرها من الحكومات الأخرى، تعاني ارتفاع المديونية العامة، التي بلغت في دول عدة نحو ضعف ناتجها المحلي الإجمالي، فحتى ألمانيا الدولة الأقوى اقتصاديا تعاني دينا عاما يصل إلى أكثر من 65 في المائة من ناتجها المحلي. وفي العام الماضي، بلغ حجم ديون منطقة اليورو التي تضم 19 دولة 11.1 تريليون يورو، مرتفعا 1.49 تريليون يورو، أو ما يوازي 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه المنطقة.
وبالطبع، تريد حكومات الاتحاد الأوروبي الـ27 إنهاء برامج الدعم بأسرع وقت ممكن، على الرغم من أن بعض هذه الدول تحسنت أوضاعها بسبب هذه الحزم الضخمة، لكن من الواضح أنها لم تعد تتحمل الضغوط المالية المتراكمة عليها، فحتى الحكومات التي فشلت في مواجهة وباء كورونا خصوصا منذ البداية، تمكنت من تمديد عمرها في الحكم فترة أطول، عبر إطلاق حزم الدعم، ما رفع شيئا من شعبيتها المتراجعة. إلا أن تمويل المساعدات والمعونات ليس مجانا بأي حال من الأحوال، وستحاول الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي العمل بسرعة على تعديل مالياتها، وفق حقائق النمو أولا وخروجها فعلا من فترة الانكماش الذي عم العالم بسبب الجائحة العالمية الخطيرة، بصرف النظر عن مستويات التعافي التي يبدو أنها متفاوتة بين دولة وأخرى.
البنك المركزي الأوروبي يدفع منذ إطلاق حزم الدعم على الساحة الأوروبية، باتجاه الإبقاء عليها أطول فترة ممكنة، حتى إنه طرح سلسلة من المشاريع لاستثمار أفضل لهذه المساعدات الكبيرة، بما في ذلك التخلص من التكاليف الإدارية، والبيروقراطية، المرتبطة بها أو خفضها على الأقل. وتعد كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن الوقت ما زال مبكرا لإعادة النظر إلى المساعدات المشار إليها، حتى صندوق النقد الدولي يشجع أيضا البقاء على مستويات الدعم في كل الدول التي وفرت حزم الإنقاذ، ولا يوفر مناسبة إلا ويشيد فيها بالحزمة الكبيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي جو بايدن البالغة 1.9 تريليون دولار، فعلى الرغم من محلية حزمة بايدن إلا أن آثارها الإيجابية العالمية واضحة تماما، على اعتبار أن الولايات المتحدة سترفع من حجم وارداتها في سياق مخططات الإنعاش ومشاريع البنى التحتية الأخرى.
صحيح أن النمو عاد من جديد إلى الساحة الأوروبية، خصوصا مع اتساع دائرة التطعيم، إلا أن المتحورات الجديدة لكوفيد - 19، والتسيب الصحي الواضح في عدد من الدول الأوروبية، تضع مسار النمو الاقتصادي في خطر داهم. ومن هذه الزاوية لا يزال التعافي هشا، وهناك شركات لا يمكنها بعد عام ونصف الاستمرار من دون الدعم الحكومي، سواء عبر التمويل أو الإعفاءات الضريبية أو خفضها، إلا إذا أرادت حكومات الاتحاد الأوروبي التضحية بهذه المؤسسات، أضف إلى ذلك، عدم تراجع البطالة إلى مستويات مقبولة. والتخفضيات التي تفكر فيها الحكومات عموما، ستضرب - بحسب مسؤولين في المفوضية الأوروبية - مسار التعافي دون شك.
وبالفعل، يمكن لهذه الحكومات أن تخفض دعمها وفق الحقائق الموجودة على الأرض، وليس بسبب الضغوط المالية المتعاظمة عليها، وإلا فستؤثر في النتائج التي حققتها، خصوصا على صعيد حماية المؤسسات والشركات التي تعد جزءا أصيلا من هيبة الكيانات الاقتصادية المحلية، فضلا عن صيانة مجتمعاتها.