«البريكس» وجود بلا جدوى
بعد أكثر من عقدين من الزمن، على قيام مجموعة "البريكس" بين خمس دول، سعت دائما إلى تغيير شكل التركيبة الاقتصادية العالمية، تواجه هذه المجموعة سلسلة من الشكوك، ليس فقط حول ما حققته خلال الأعوام الماضية، بل حتى حول جدوى وجودها أصلا.
حتى روسيا التي كانت دولة مؤسسة لـ"البريكس"، فضلت قبل أن يغضب الغرب منها، أن تركز على علاقاتها مع الدول السبع الكبرى، القوى الاقتصادية التقليدية عالميا، بدلا من أن تدعم تجمع الدول الخمس، وهي إضافة إلى روسيا، الصين وجنوب إفريقيا والهند والبرازيل. وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن تكون بلاده جزءا أصيلا من هذه المجموعة، التي أنشئت من الدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية.
مجموعة "البريكس" التي أطلقت أصلا لجمع الدول الكبرى الأسرع نموا في العالم آن ذاك، التي اكتسبت صفة "الصاعدة"، عانت ثغرات عديدة قبل وباء كورونا، ومرت بأزمة بعد انتشار هذا الوباء، الذي أوجد معايير وحقائق اقتصادية جديدة لا تريدها أي دولة في العالم، فالصين مثلا لم تعد قوة صاعدة، وإن كانت ترغب في الاحتفاظ بهذه الصفة مدى الحياة، للاستفادة من مميزات القوى الصاعدة.
في حين إن دولة مثل روسيا، لم تتمكن خلال العقدين الماضيين من تنويع مقبول لمصادر دخلها القومي، فهذه الدولة لا تزال تعتمد على النفط والغاز، دون أن ننسى أن اقتصادها يتعرض للعزلة، بسب الغضب الغربي عليها على ساحة تدخلاتها في أوكرانيا، وبالتالي فإن هاتين الدولتين المحوريتين في "البريكس"، أصبحتا في الواقع ولو نظريا خارج هذا الكيان.
هذه المجموعة عندما أطلقت في 2008، كان هدفها الرئيس أن تشكل قوة موازية للقوة الاقتصادية العالمية التقليدية المتركزة في الدول الغربية، لكن المشكلات التي ضربت "البريكس"، خلصتها من بعض المعايير المطلوبة في هذا المجال، بما في ذلك الحفاظ على الطبقة المتوسطة في الدول الخمس، يضاف إلى ذلك انخفاض معدلات الشفافية في كل دول المجموعة، الأمر الذي أدى إلى عدم المساواة، إلى جانب أن هناك حالة من التفكك في عديد من الاقتصادات الصاعدة بشكل عام، وهذه الحالة تتعمق مع الوقت.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها وباء كورونا بفعل تداعياته السلبية على الجانب الاقتصادي تفاقمت الأوضاع المحلية في جميع الدول، ووسط كل هذا ارتفعت حدة الاضطرابات السياسية في دول المجموعة ما عدا الصين، ما أسهم في تراجع الثقة باقتصاداتها عالميا.
لو أخذنا الهند مثلا، وهي دولة محورية على الساحة الدولية بلا شك، في العقدين الماضيين، فقد شهدت هذه الدولة انهيارا للطبقة المتوسطة التي كانت تشكل عماد الاقتصاد القومي فيها، والسبب في ذلك معروف للجميع، ويعود إلى الانقسامات الاجتماعية المتصاعدة، ما أدى إلى اختلال التكوين المجتمعي المعهود في الهند.
الأمر مشابه إلى حد بعيد في دولة كالبرازيل، التي تتعرض حكومتها للهجوم الشعبي دائما، ليس فقط بسبب فشلها في مواجهة كورونا، بل من جهة اتباع الرئيس جيل بولسونارو سياسات اقتصادية متطابقة مع السياسات التي اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، التي يعدها الرأي العام في البرازيل غير مناسبة للبلاد.
إن التطورات التي شهدتها دول "البريكس" جعلت هذه المجموعة خارج التأثير العالمي فعلا، لأنه يمكن وصفها بأنها مجموعة هشة، في حين كان من بين المخططات الأولى لها أن تؤسس لكيان مالي دولي كبير، يغير بعضا من القواعد الدولية المعمول بها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
حقيقة ليس هناك مؤشرات عملية على إحياء "البريكس" في المرحلة المقبلة، فمن الناحية الاقتصادية تواجه هذه المجموعة تحديات خطيرة، إضافة إلى تباطؤ النمو في معظم دولها. كما يبدو واضحا أن المتغيرات الاجتماعية في جميع الدول التي تشكل هذه المجموعة، ستلقي بظلالها على المشهد العام في الدول الخمس لأعوام، وربما لعقود أخرى مقبلة.