حزب عبثي ونظام فاسد
شهد لبنان خلال الفترة الأخيرة أزمة اقتصادية تأريخية طاحنة لم تمر عليها البلاد من ذي قبل، ويأتي هذا الوضع في ظل تبادل المسؤولين والزعماء اللبنانيين الاتهامات، ما جعل أسباب الأزمة الاقتصادية في لبنان معقدة ومركبة، وتعود جذورها إلى طبيعة النظام اللبناني نفسه، بقدر ما هي مسؤولية الزعماء والسياسيين. وترجع هذه الأزمة إلى مسببات اقتصادية ومالية كثيرة ومتنوعة، منها فقد الليرة اللبنانية قيمتها الحقيقية وتراكم الديون، وفشل السياسة النقدية وانتشار الرأسمال الطفيلي، وأكبر هذه المسببات مغامرات حزب الله في تحكمه في سياسات البلاد، وجعلها تدفع ثمن ولائها لإيران.
ومن العوامل الأخرى، التي عمقت تدهور أزمة الاقتصاد اللبناني والمستشرة، قضية الفساد، الذي ظل ينخر في البلاد لعقود، مدمرا الحيوية الكبيرة، التي يتمتع بها الشعب اللبناني، فأفضل وصف للفساد في لبنان هو أنه جزء من النظام أو هو النظام ذاته.
ومن هذه الخلفية والزاوية السوداء والقاتمة، انتقل توصيف الوضع الاقتصادي العام في لبنان، من أزمة إلى شبه انهيار. فالدولة معطلة تماما، وصارت بعض المشكلات المعيشية للبنانيين خارج إمكانية حلها من فرط استفحالها وطول المدة التي تراكمت فيها. أضف إلى ذلك، أن الطبقة السياسية الفاسدة، التي اتفق العالم أجمع على فسادها وعدم جدوى استمرارها في إدارة شؤون البلاد، ولا تزال ماضية في طريق صناعة الأزمات سياسيا واقتصاديا ومعيشيا.
وهذا الاستنتاج توصلت إليه على وجه الخصوص الدول المانحة، التي ربطت في النهاية المعونات، التي ستقدمها، بإصلاح الأمور سياسيا على الساحة اللبنانية. فلبنان مختطف بالفعل من حزب الله العميل الدائم للنظام الإيراني الإرهابي. وهذا الحزب لم يخف يوما عمالته لهذا نظام الملالي المحاصر أصلا من المجتمع الدولي، وتهدد العقوبات مؤشراته الاقتصادية، التي تراجعت إلى درجات سحيقة، بفعل استراتيجية الخراب والعدائية، التي ينشرها منذ أكثر من أربعة عقود.
الشعب اللبناني يدفع الثمن غاليا لوجود هذه الطبقة السياسية، التي رهنت البلاد لطهران، وأسست إلى القاعدة الطائفية، في إطار تنفيذ المشاريع الإيرانية التخريبية. ففي العام الماضي، تخلف لبنان عن سداد ديونه، وكان من بين ثماني دول في العالم أجمع عجزت عن تسديد دينها، في حين أن الانهيارات المتتالية لليرة اللبنانية، باتت مادة للسخرية بين اللبنانيين أنفسهم، ما أجبر محال الصرافة على الإغلاق، لأنه يستحيل العمل في ظل غياب استقرار العملة، وضعف قيمتها، وعدم جدواها تداوليا مع ارتفاع معدلات التضخم، وغلاء الأسعار للسلع الأساسية.
وعلى الرغم من تحرك بعض الدول المحورية عالميا، مثل المملكة وفرنسا والولايات المتحدة، من أجل تخفيف المعاناة عن الشعب اللبناني، إلا أن هذا التحرك يصطدم في الواقع بعدم وجود كيان سياسي يمكن التعامل معه على أساس مصلحة لبنان، وليس على مصلحة حزب الله، الذي يحدد منذ أعوام شكل ومسار وطبيعة الحياة العامة في بلد يمكنه أن يتقدم بسهولة لو توافرت له الظروف الطبيعية.
لم يتم العثور حتى على الذين تورطوا في التفجير الهائل، الذي ضرب ميناء بيروت قبل عام، والذي عد الانفجار الأكبر غير النووي في العالم، والسبب معروف، فساد الحكم في هذا البلد، وهذه الطغمة السياسية ليست مؤهلة بعد أعوام من سيطرتها على المشهد العام، لأن تكون جزءا من عملية إصلاح سياسي واقتصادي.
فبعد الخراب الذي نشرته، يحتاج لبنان إلى إعادة بناء المنظومة السياسية، وفق المصلحة الوطنية لا الطائفية، واستنادا إلى ما يستحقه الشعب، وليس "العوائد"، التي يتمتع بها حزب الله، الذي لم يكن كيانا وطنيا في يوم من الأيام. ومن ناحية مستويات الفقر في لبنان، فقد تعاظمت بالطبع بشكل مخيف وفظيع، والتضخم صار خارج السيطرة، والخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والوقود، غير متوافرة، وأزمة انعدام الخبز، حيث نشاهد لأول مرة الطوابير والصفوف الطويلة والزحام للحصول على الخبز، الذي يحتاج إليه المواطن اللبناني يوميا، وكما نرى النقص الشديد والمخيف، الذي شمل الدواء، ولم يعد متاحا حتى لأبناء الطبقة المتوسطة، التي انتهت من الخريطة الاجتماعية لهذا البلد منذ زمن. أمام هذه المشاهد والمناظر السلبية، لا غرابة في ارتفاع أعداد اللبنانيين المستعدين للموت من أجل الخروج من وطنهم بحثا عن حياة كريمة.
وفي ظل الخراب، الذي نشرته عصابات علي خامنئي في لبنان، تحول هذا البلد من وجهة للسياحة العالمية إلى كيان طارد لأبنائه. العالم يريد أن يساعد هذا البلد بالفعل، ولكن تبقى عقدة عصابات حزب الله حاضرة على الساحة دائما. ولأن النتيجة صارت معروفة، فإن الدول المؤثرة تسعى بكل ما لديها من إمكانات لإيصال المساعدات إلى الشعب اللبناني مباشرة، ما يعزز حالة غياب الدولة القادرة على القيام بمهامها في هذا المجال.
المؤتمر الدولي، الذي نظمته فرنسا والأمم المتحدة لدعم لبنان وإعماره لجمع 350 مليون دولار، استجابة لحاجاته ومتطلباته وانهيار عمود اقتصاده، إلا أن هذه المساعدات مشروطة بإصلاحات حكومية جادة، وعدم تمكين الطبقة السياسية الفاسدة على حساب الشعب اللبناني، ويجب أن يخاطب اللبنانيون لا الدولة المرهونة دون خجل لعصابات تتباهى بأنها تنفذ مشاريع إيران بإخلاص تام وخضوع.
كان لبنان في الذهنية العربية خلال الخمسينيات والستينيات منارة مشعة للشرق بحضوره المتنوع. حينها كان لبنان يطبع والعرب يقرأون، أما اليوم غدا مفلسا بعد أن أصبح رهينة حزب إيراني، والعرب يسألون بمرارة: أين لبنان؟