رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ديون العالم مصيبة مؤجلة

"أزمة الديون العالمية بسبب كورونا تهدد بموجة من الفقر والجوع والاضطرابات"
أنطونيو جوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة
ستبقى أزمة الديون العالمية لزمن طويل على الساحة، حتى لو انتهت الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد غدا. والديون كانت موجودة فعلا حتى قبل انفجار هذه الجائحة العالمية، إلا أنها كانت تحت السيطرة بصورة أو بأخرى، مع اختلاف حدة ضرباتها من بلد إلى آخر. وتعاملت مع الحكومات كمشكلة دائمة. حتى تلك الواجبة على الدول الفقيرة والأشد فقرا، كانت أقل ضغطا عليها، نتيجة تفهم الجهات الدائنة أوضاعها الاقتصادية عموما. بل استفادت هذه الدول من مشاريع تنموية دولية تتضمن تخفيف الديون، وخفض مستويات الفائدة، وتمديد آجالها لفترات طويلة. حتى إن الدول المتقدمة قدمت امتيازات تجارية للدول الفقيرة، ما أسهم في السيطرة ولو المؤقتة على هذه الآفة الاقتصادية التي لم تنج منها دولة.
مع هيمنة جائحة كورونا على الساحة الدولية، ارتفعت بالطبع مستويات الديون العالمية، وشكلت ضغوطا باتت لا تحتمل في الدول الفقيرة عموما. فحكومات الدول المانحة مثلا بدأت تفكر في خفض حجم المساعدات عموما. ورغم أنها لم تقدم بعد على هذه الخطوة، إلا أن بلدا كبريطانيا أقدم عليها بالفعل، بعد أن حصلت حكومته على تأييد البرلمان لخفض المساعدات، بحجة الانكماش الذي يعانيه اقتصاد البلاد. وظهرت أصوات داعمة للحكومة المحافظة الحاكمة في المملكة المتحدة تتحجج بأن ديوننا السيادية بلغت حجم الناتج المحلي الإجمالي. وهذا صحيح، إلا أن الالتزامات الواجبة على بلد كبريطانيا لا تمنح هؤلاء أي مصداقية. وهذا ما أكده البريطانيون المعارضون لخفض المساعدات المالية للدول الفقيرة.
في تطور نادر، أدى ارتفاع الديون السيادية حول العالم، إلى تخلف ست دول، هي: الأرجنتين والإكوادور ولبنان وبليز وسورينام وزامبيا، عن السداد في العام الماضي. وكان ذلك متوقعا حتى في الأشهر الأولى من العام المذكور، نظرا للمشكلات الاقتصادية الهائلة التي تضرب هذه الدول. ورغم أن مجموعة العشرين أقدمت على خطوات جيدة على صعيد تخفيف حدة الديون على مثل هذه الدول إلا أن المصاعب الاقتصادية السابقة للجائحة كانت كبيرة إلى درجة مضاعفة الضغوط عليها. فالأزمة الصحية العالمية الخطيرة أتت بأثقالها على جميع الدول دون استثناء، لكنها كانت أكبر على دول تعاني أساسا اقتصادات هشة، أو أنظمة سياسية فاسدة، أو حكومات لا تتعاون بما يكفي مع المؤسسات الدولية المعنية بأمر التنمية.
اعتاد العالم على أن توازي ديون بلد مثل الولايات المتحدة حجم ناتجها المحلي الإجمالي. فهذا البلد قادر في النهاية على مواجهة أعباء هذه الديون، إلى درجة أن الرئيس جو بايدن تمكن من ضخ حزمة إنقاذ وتنمية بلغت نحو تريليوني دولار. لكن هناك مخاوف، وإن كانت ليست عارمة، من ارتفاعات مقلقة لديون دول تتمتع باقتصادات وسمعة ائتمانية قوية. فقد وصل - على سبيل المثال - الدين المجمع في دول منطقة اليورو البالغ عددها 19 دولة، إلى 11.1 تريليون يورو، أو ما يعادل 98 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. واللافت أنه ارتفع بفعل كورونا 1.24 تريليون يورو. حتى الديون السيادية لألمانيا الاقتصاد الأكبر في الاتحاد الأوروبي، فقد وصلت إلى 69.8 في المائة من ناتجها المحلي، في حين سجلت اليونان ديونا وصلت إلى 341 مليار يورو، أو ما يوازي 205.6 في المائة من ناتجها المحلي. في حين سجلت إيطاليا ثاني أكبر دين في المنطقة الأوروبية بواقع 155.8 في المائة من الناتج الإجمالي.
تنص قوانين الاتحاد الأوروبي التي علقت بسبب جائحة كورونا على ألا يزيد الدين العام على 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلينا أن نتصور أثر حجم الديون الأوروبية على الساحة العالمية في أعقاب التخلص من الجائحة العالمية. وخارج الاتحاد الأوروبي الآن يبلغ الدين العام البريطاني 100 في المائة من ناتجها المحلي، لكن يبقى لافتا وصول ديون اليابان إلى 200 في المائة من ناتجها حيث سجلت أكثر من 13.5 تريليون دولار. أمام هذه اللوحة المخيفة فعلا، لا غرابة أن يصل الدين العام العالمي إلى 105 في المائة من مجموع الناتج المحلي الدولي، وآثارها غير المرغوب فيها، ستظهر بلا شك على الساحة بعد أن تهدأ العاصفة الاقتصادية التي تسبب بها فيروس كوفيد - 19.
أزمة الديون السيادية تشمل الجميع، إلا أنها تظل متفاوتة بين منطقة وأخرى، بل بين بلد وآخر. وإذا كانت الدول المتقدمة قادرة على احتواء آثارها السلبية بفترة وجيزة، فإن الدول الفقيرة ستواجه مصيبة اقتصادية شبه مستدامة بسببها. والحلول ليست متوافرة كثيرا في هذا المجال، وليس هناك أمام الدول الكبرى إلا أن تكون متسامحة اقتصاديا في مرحلة لاحقة مع ديون الدول النامية عموما، خصوصا تلك الدول التي حققت قفزات تنموية نوعية، وإصلاحات سياسية واقتصادية تستحق التشجيع والدعم. أما بالنسبة لديون الدول المانحة، فلا خوف عليها رغم كل ضغوطها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي