ويمتد الصراع للسماء
تحركت الصين خلال الفترة الأخيرة لمنافسة الغرب بقوة في جميع القطاعات الصناعية، في ظل السباق التقني والاقتصادي، وذلك من أجل فرض سياسة التفوق والتربع على الريادة العالمية. وفي هذا الإطار، تدخل بكين قريبا في منافسة جديدة مع الدول المتقدمة، وذلك عبر طرحها أول طائرة ركاب في السوق. وهذه السوق، التي تسيطر عليها شركتا "أيرباص" الأوروبية، و"بوينج" الأمريكية، ظلت طوال العقود الماضية حكرا على هاتين الشركتين، اللتين تتنافسان بقوة أيضا على صعيد الاستحواذ على أوسع ساحة في مبيعاتها.
والصين أعلنت قبل أعوام، عزمها الدخول في هذا الميدان، علما بأن دولة كاليابان فضلت ترك الساحة للأمريكيين والأوروبيين لصناعة الطائرات حتى الآن على الأقل. وفي الواقع، فإن كثيرا من الدول التي تتمتع بقدرات صناعية، ظلت خارج هذه الساحة التنافسية، على اعتبار أن السوق العالمية لا تتحمل شركات إضافية أخرى، فضلا عن صعوبة منافسة شركتين تتسيدان المشهد منذ عقود. الحكومة الصينية ضخت في الأعوام الماضية أموالا كبيرة في هذا المجال، وهي تعتمد - في الأساس - على القواعد الصناعية العسكرية في هذا المجال، ما يجعل تكاليف الإنتاج أقل بكثير من تكاليفه في أوروبا والولايات المتحدة.
مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا القطاع، كغيره من القطاعات الأخرى في الصين، مدعوم من الدولة، ما يجعل التنافسية مستقبلا تميل في اتجاه الجانب الصيني، هذا إن لم تنشب معركة تجارية أخرى بين الأوروبيين والأمريكيين من جهة، وبين الصينيين من جهة أخرى. بالطبع، ستكون شركات السفر والسياحية والنقل في الصين، الميدان الأول لطائرات الركاب المصنعة محليا، وهذا يطرح مخاوف كبيرة على الساحة الغربية من جهة مبيعاتها للصين ذاتها.
لكن لا تزال الأمور في أولها حاليا، خصوصا أن تطوير طائرة 919C ذات الممر الواحد، وهي الأولى للجهة المنتجة، لم يخضع بعد للاختبار العملي، فضلا عن أن تسليم هذه الطائرة سيكون مع نهاية العام الجاري. شركة "كوماك" لصناعة الطيران خرجت - في الواقع - من قطاع الطيران العسكري في عام 2008، وهذا يمنحها بعض الأساس، بصرف النظر عن الاختلافات الموجودة بين صناعة الطيران العسكري والمدني، وإذا ما حققت هذه الشركة قفزات نوعية، فإنها لن تنافس الغرب على الساحة العالمية بداية، بل ستنافسه على الساحة المحلية.
فوفق شركة "بوينج" الأمريكية، فإن شركات الطيران في الصين ستحصل على 8600 طائرة جديدة خلال الـ20 عاما المقبلة وحدها، والصين - كما هو معروف - تتمتع بأوسع سوق للطيران على مستوى العالم، وبالتأكيد ستلجأ هذه الشركات إلى المنتج الصيني، لأسباب تتعلق بالأسعار، وأيضا بعوامل وطنية، مع الإشارة إلى أن السوق الصينية تتوسع باستمرار في كل القطاعات، وفي مقدمتها الطيران، والسفر، والسياحة، والنقل، والشحن الجوي، وغير ذلك. لا يمكن اعتبار دخول الصين سوق صناعة الطائرات التجارية أنه سيكسر الاحتكار الثنائي للغربيين، فالطريق لا يزال طويلا إلى أن تتمكن بكين من الوصول إلى مستويات مؤثرة في هذا الميدان.
لكن دون شك ستتأثر صناعة الطيران الغربية مستقبلا إذا ما فقدت السوق الصينية، علما بأن المشكلات التجارية القائمة حاليا ستضع الموردين الغربيين للمواد الأولية للصين في موقع حرج للغاية، وقد تتأثر هذه الصناعة سلبا بالعقوبات الغربية التجارية المفروضة على الصين.
وفي كل الأحوال، تبقى هذه الصناعة في مرحلتها الأولى، فلا توجد حتى اليوم ضمانات على إمكانية إقبال شركات السياحة والسفر الصينية على شراء 919C، التي تقابل من حيث الحجم والقدرة طائرتي 320A و"بوينج 737"، لكن دون شك ستتدخل الحكومة في بكين لدفع هذه الشركات نحو المنتج الصيني، دون أن ننسى، أن كفاءة استهلاك الوقود في هذا المنتج أقل بكثير من كفاءة المنتجين الأوروبي والأمريكي، ما سيدخل الصين في صراع عالمي جديد على الساحة البيئية.