رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مرتكزات الرؤية .. إصلاحات ومنافع

مر الاقتصاد السعودي كغيره من اقتصادات العالم بفترة صعبة خلال العام الماضي، بفعل التداعيات السلبية التي تسببت فيها جائحة "كورونا" على مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية الحيوية. لكن الذي يميز اقتصادا عن آخر القوة التي يتمتع بها في مواجهة الأزمات. والأزمة الاقتصادية الناجمة عن كورونا كانت مفاجئة للجميع دون استثناء وضربت معظم اقتصادات الدول، ومن بينها الكبيرة والمتقدمة. وشهدت القارة الأوروبية أسوأ مرحلة اقتصادية حرجة لها سجلتها في تاريخها، بما في ذلك طول مدة بقاء انتشار فيروس "كوفيد - 19" في الساحة عالميا وتزايد أعداد الإصابات والوفيات.

وركز التقرير السنوي للبنك المركزي السعودي الذي صدر أخيرا، بالطبع على هذا الجانب، خصوصا أن الآثار السلبية التي سجلها الوباء لا تزال موجودة، مع ضرورة الإشارة إلى أن الانتهاء من موجة الجائحة المشار إليها لا يبدو أنه سيكون قريبا، مع ارتفاع وتيرة المتحورات والسلالات المتوالدة من هذا الفيروس المخيف. ولكن المملكة تمكنت من السيطرة عن التداعيات المشار إليها، عبر مجموعة من الأدوات الاقتصادية الناجعة والحزم التحفيزية، والمشاريع الاستراتيجية التنموية التي نفذت ضمن "رؤية 2030". وقد شهد الاقتصاد السعودي انكماشا خلال عام ما يعرف بـ "عام الجائحة" بلغ 4.1 في المائة، بعد تراجع القطاع النفطي بنحو 6.7 في المائة، والقطاع غير النفطي بنسبة 2.3 في المائة. ويبقى هذا الانكماش من التراجعات الأقل قياسا ببقية الاقتصادات في دول مجموعة العشرين، التي شهدت رئاسة المملكة لها خلال العام الماضي.

فالتدابير الاحترازية للحفاظ على الصحة العامة للإنسان، كانت السبب الرئيس لتراجع الاقتصاد السعودي، وحافظت القيادة على خطتها بهذا الشأن طالما أنها تضمن حماية أكبر لسكان البلاد. وبسبب المخططات الاستراتيجية التي تستند إلى التنويع الاقتصادي والتنمية الواسعة الشاملة لكل القطاعات في البلاد، إضافة إلى المرونة التي يتمتع بها الاقتصاد الوطني، تم استيعاب التداعيات الآتية من الجائحة على الساحة الاقتصادية.

واستطاعت الحكومة السعودية تخفيف آثار الأزمة بشكل عام، حتى أن مسؤولين في دول كبرى أبدوا إعجابهم بالطريقة التي عالجت بها المشكلة. واعتبرت مؤسسات الدولية، أن طريقة تعامل السعودية مع الأزمة، نموذجا يحتذى ليس فقط مع كورونا، بل مع أي أزمات مشابهة قد تظهر على الساحة العالمية في المستقبل. وقد شهدنا حجم الاضطرابات في اتخاذ القرارات حيال الأزمة في دول كثيرة بما فيها دول كبرى تعرضت حكوماتها لانتقادات الأحزاب والتكتلات السياسية لهذا السبب. ولا شك في أن الإصلاحات التي تقوم بها القيادة في المملكة أسهمت في امتصاص ما أمكن من الآثار التي تركتها الجائحة العالمية، يضاف إلى ذلك الحزم التحفيزية التي وفرتها الحكومة لكل القطاعات لدعمها في مثل هذه الظروف.

لكن الأهم من هذا وذاك، تبقى المنجزات التي تحققت على صعيد تنويع مصادر الدخل، بما في ذلك الاستثمارات الكبيرة في ميدان البنية التحتية والقدرات البشرية، فضلا عن الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية، يبقى العامل الأقوى نظرا إلى أنه يحاكي المستقبل ومستحقاته ومفاجآته. ومن هذا المنطلق بدأ الاقتصاد السعودي بالفعل مرحلة الانتعاش كنتيجة مباشرة للإصلاحات المالية والاقتصادية والسياسية الناجحة التي اتخذتها الحكومة السعودية لمواجهة الجائحة. يضاف إلى ذلك الخطوات السابقة لتدفقات الاستثمارات الأجنبية، إذ سجلت التراخيص الممنوحة للمستثمرين الأجانب ارتفاعا قياسيا.

ومن المتوقع مواصلة الانتعاش وتحقيق مزيد من النمو في عام 2021 مدعوما بإنفاق حكومي توسعي وإطلاق برنامج (شريك)، الذي يستهدف تحقيق الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص. ونتيجة للإصلاحات التي تمت في الاقتصاد السعودي فقد أكد صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن الاقتصاد السعودي، أنه يتعافى بشكل جيد من آثار الجائحة. وتوقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد غير النفطي للمملكة 4.3 في المائة هذا العام، وأن ينمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي الكلي 2.4 في المائة.

ونوه تقرير الصندوق بالإصلاحات الاقتصادية بشكل عام في البنية الأساسية من إصلاحات في سوق العمل ستعزز تنافسية وجاذبية السوق للعاملين فيها واستقطاب ذوي الكفاءات والمهارات العالية، وأثنى على الإصلاحات المستمرة لتعزيز دور المرأة وتمكينها في القطاعات العملية، واستمرار الارتفاع في معدلات مشاركة المرأة في القوى العاملة. كما أشاد بسياسات الشمول المالي واستخدام التكنولوجيا المالية، مبينا أن قطاع التكنولوجيا المالية في السعودية تطور بشكل سريع، بدعم من البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية.

وكل هذه النقاط تنصب في مصلحة وخانة نمو مؤشرات الاقتصاد السعودي وتطوره. وهنا لا بد من الحديث عن مساهمات البنك المركزي السعودي التي أسهمت في الحد من آثار الجائحة في القطاع الخاص، الذي يمثل حجر الزاوية في رؤية المملكة 2030، إلى جانب دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تشكل محورا رئيسا للاقتصاد الوطني.

وقد أظهرت نتائج الربع الأول من العام الجاري، العوائد على صعيد التنمية، نتيجة السياسات المحكمة التي تتبعها الدولة. وفي الأشهر الأولى من العام الحالي سجل الناتج غير النفطي نموا بلغ 2.9 في المائة، بينما سجل القطاع الخاص نموا بنسبة 4.4 في المائة، في حين حقق الإنفاق الاستهلاكي ارتفاعا بمعدل 1.3 في المائة. إنها استراتيجية متكاملة ومستمرة في زمن الانفراجات ولمواجهة أوقات الأزمات التي تفرضها المتغيرات الاقتصادية الصعبة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي