كوفيد .. أزمتان في أزمة
تسبب وباء كورونا في تعطيل العالم والحياة التي كنا نعرفها، فقد أدى إلى وقوع خسائر فادحة في الأرواح والأنشطة الاقتصادية، كما أن انتشاره السريع عالميا شكل تهديدا على الملايين الذين يعانون بالفعل انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وتأثير النزاعات والكوارث الأخرى.
حقيقة، فقد تركت جائحة فيروس كوفيد - 19 آثارا سلبية على مختلف القطاعات حول العالم، وأوجدت أزمة اقتصادية كبيرة بعد 12 عاما فقط من أزمة اقتصادية عالمية، قيل وقتها إنها لن تحدث إلا كل 100 عام، تماما مثل فيروس كورونا، الذي عد أنه الأقوى منذ الطاعون الذي ضرب العالم وأوروبا، خصوصا القرن قبل الماضي.
الجائحة ضربت من ضمن ما ضربت مجال الأمن الغذائي العالمي، ورفعت في العام الماضي، الذي يوصف بعام الجائحة، عدد الأشخاص الذين واجهوا الجوع فعلا، وتؤكد الجهات الدولية المعتمدة، أن ظاهرة تفاقم الجوع عالميا ارتفعت 18 في المائة في 2020، وتشير هذه الجهات، إلى أن هذه الظاهرة هي الأكبر منذ أكثر من 15 عاما، على الرغم من التدخلات، التي أقدمت عليها الحكومات هنا وهناك، من أجل تقليل عدد الذين ينضمون إلى قوائم الجوع.
المشكلة الكبرى في هذه الأزمة، أنها ضربت بصورة مباشرة الحراك الأممي نحو الحد من الفقر والجوع بحلول 2030، وهذا الحراك يدخل- كما هو معروف- ضمن برامج تنموية وضعت أهدافا للتحقيق وأسمتها "أهداف الألفية".
وشاركت الحكومات القادرة دوليا في دعم هذه البرامج والمشاريع الضخمة، التي شملت أيضا التعليم والصحة والبيئة والطاقة، وكل ما يدخل في نطاق تحويل العالم شيئا فشيئا إلى ساحة توفر الحد الأدنى من العيش الكريم لكل شعوب العالم.
واللافت أن مشاريع الألفية حققت في العقدين الماضيين قفزات نوعية، وقللت بالفعل من مستويات الجوع والفقر في الدول، التي تعاني هذه الآفة، فضلا عن أنها وفرت لأعداد متنامية من البشر الخدمات الإنسانية الضرورية، بما في ذلك العلاج من الأمراض والأوبئة والتعليم، وغير ذلك.
ووفقا لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية "فاو"، فقد واجه ما بين 729 و811 مليون شخص الجوع في العالم في 2020، أي ما يزيد على 118 مليون شخص في 2019. وتعاني أعداد متعاظمة أيضا ليس من الجوع فحسب، بل من سوء التغذية، وذلك لعدم وصولها إلى الوجبات التي توفر لها السعرات الحرارية المعتمدة عالميا للفرد.
بالطبع، تتسع رقعة خريطة الجوع وسوء التغذية عموما في عدد كبير من الدول الآسيوية والإفريقية، على الرغم من أن القضاء على الجوع فيها حقق إنجازات كبيرة في الأعوام الماضية، خصوصا عبر البرامج الإنمائية، وتحسين العوائد لاقتصادات الدول الفقيرة عبر تشجيع وتمويل التنمية فيها، وتوفير التسهيلات التجارية لها لتصدير منتجاتها للأسواق الكبرى في الدول المتقدمة خصوصا.
ومن المشكلات، التي أتت بها الجائحة، أنها وضعت شرائح من الناس في الدول الفقيرة والأشد فقرا على قوائم العاطلين عن العمل. فقد منعت القيود التي فرضت على الحركة عملية الإنتاج الزراعي والصناعي في هذه الدول، أضف إلى ذلك التقلبات المناخية، التي أثرت سلبا في كل الدول دون استثناء. ولأن الأمر كذلك، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية، وغيرها، خلال عام الجائحة، بما يصعب على شرائح واسعة من الدول الفقيرة الوصول إليها.
وفي المجمل، فرض كوفيد - 19 حالة جديدة بالفعل على صعيد مكافحة الجوع والفقر وسوء التغذية، ولا بد للدول الكبرى، التي تشرف وتستثمر في البرامج الإنمائية أن تعيد النظر في آليات هذه البرامج، لدفعها مجددا إلى الأمام، في أعقاب التخلص من تداعيات وآثار جائحة لم يتوقعها أحد على الإطلاق. وإذا لم يحدث هذا، فإن أهداف الألفية لن تتحقق بحلول 2030، وبالتالي ستتواصل الأزمات في المناطق، التي تعاني أصلا المشكلات في هذا العالم قبل الجائحة.