رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سيادة الدولار والمنافسون الجدد 

 
سؤال دائما يطرحه الاقتصاديون من ذوي الاختصاص من فترة إلى أخرى، وهو: من الذي يحدد مستقبل الدولار الأمريكي؟ هذا هو السؤال المهم، وليس مستقبل الدولار نفسه ودخوله في تعاملات مالية واقتصادية كثيرة. والمعنى أنه من الضروري معرفة من بيده مصير الدولار، من الذي يعد قراره بشأن الاحتفاظ بالدولار أو التخلي عنه وهو أهم قرار في الاقتصاد العالمي؟ هل هو صندوق النقد الدولي؟ أم هي مجموعة الدول في شرق آسيا والصين وروسيا؟ أم هو الاتحاد الأوروبي؟ أم مجموعة الدائنين للحكومة الأمريكية؟ لعل هذه هي قوة الدولار الحقيقية، أنه لا أحد من هؤلاء جميعا قادر على اتخاذ قرار بشأن التخلي عن الدولار، ولن يكون قراره مؤثرا حتى لو اتخذه فعلا.

لكن هل يمكن أن يتفق هؤلاء جميعا على التخلي عن الدولار؟ قد يحدث ذلك، لكن عندما تصبح الولايات المتحدة غير موجودة اقتصاديا وسياسيا. والواقع أن احتلال الدولار مكانة مهيمنة، يعود إلى تاريخ طويل، فحينما انتهت الحرب العالمية الثانية، كانت معظم دول العالم، وعلى رأسها دول أوروبا المتقدمة صناعيا، قد دمرت تماما، ولم يستثن من هذا المصير سوى بلد واحد هو الولايات المتحدة، ولهذا كان الناتج الأمريكي عند نهاية الحرب يصل إلى نحو 60 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، كما أن أمريكا كانت القوة التجارية الرئيسة في العالم. ومن هنا يواصل الدولار الأمريكي، المشهور بقوته، سيطرته المطلقة في الأسواق العالمية.

لكن ربما كانت هيمنة العملة الخضراء أكثر هشاشة مما يبدو، نظرا إلى احتمالية أن تحدث التغيرات المستقبلية المتوقعة. والسؤال الحقيقي إذن هو، هل ستبقى الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا في حالة تهديد؟ في تقرير نشرته "الاقتصادية" للإجابة عن هذا السؤال، أوضح أنه في عام 2008 وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية، تنبأ البعض بتراجع الاقتصاد الأمريكي، لكن هذا لم يحدث، فحصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ارتفعت من 21 في المائة عام 2011 إلى 25 في المائة حاليا، بل إن الولايات المتحدة كقوة مالية عالمية وصلت إلى مستويات أعلى، إذ ارتفعت سوق الأسهم لديها 250 في المائة، متجاوزة بكثير جميع منافسيها، وزادت حصتها من أسواق الأسهم العالمية من 42 في المائة إلى 58 في المائة.

إذا كانت هذه هي الحال، فلماذا يعتقد البعض أن قرارات هنا وهناك قادرة على إنهاء مستقبل الدولار؟ لا شك أن هناك حقائق في الطريق جعلت البعض يتوجس خيفة، ومنها تضاؤل وضع وموقع الدولار في التبادل التجاري، فمثلا تسوية التجارة الثنائية بين الصين وروسيا قبل خمسة أعوام تم 90 في المائة منها بالدولار، وتلك النسبة تبلغ حاليا 45 في المائة، كما أن حصة الدولار العالمية من احتياطيات النقد الأجنبي هبطت إلى أدنى مستوى لها في ربع قرن في الربع الرابع من العام الماضي، ومنذ عام 1999 عندما طرح اليورو في الأسواق الدولية لأول مرة، انخفضت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي من 71 في المائة إلى 66 في المائة عام 2014، ثم واصلت الانخفاض إلى 59.5 في المائة حاليا، ويتوقع أن تنخفض إلى أقل من 50 في المائة خلال العقد المقبل.

لكن هذه الحقائق لا تقدم تنبؤات عن انهيار الدولار وحدوث حالة من الهروب الكبير منه إلى عملات أخرى، لكنها تقدم تأكيدات أن هناك اليوم تنوعا كبيرا في العملات القادرة على تحقيق مفهوم مخزن ومستودع الثروة، وهناك فرصة لعملات أخرى لتلعب دورا في التبادل التجاري العالمي، إلى جانب قبول واسع لعملات أخرى، وهذا يضعف هيمنة الدولار، لكنه يقدم توازنا للاقتصاد العالمي، فتجربة الأزمة العالمية وتراجع تصنيف الولايات المتحدة لأول مرة قد جعل في الديون السيادية الأمريكية مخاطر ولو كانت ضئيلة جدا، وهذا ينهي مفهوم السندات الخالية من المخاطر من العالم تماما، ولهذا فقد اتخذ البعض قرارات لتنمية المحافظ من عملات أخرى وسندات مختلفة.

لقد انتهت حقبة هيمنة الدولار دون شك، لكن لم ينته ولم يتوقف الجميع عن الثقة بالاقتصاد الأمريكي، وما زالت الولايات المتحدة باقتصادها وسياساتها وشفافيتها هي أكثر الدول أمانا، ولا يزال أمام العملات الأخرى مجتمعة أن تسير في طريق طويل حتى تنال من حصة الدولار في التبادل التجاري.

لعل الإجابة عن سؤال، من يحدد مستقبل الدولار الأمريكي؟ يكمن في مصدر قوة الدولار نفسه، فلا أحد اليوم قادر على التأثير في هذا العملاق بشكل منفرد، ولا بد أن يكون هناك إجماع عالمي واتفاق جماعي مدعوم شعبيا، وهذا غير وارد حتما طالما أن الحلم الأمريكي قائم في أذهان البشر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي