شراكات تنموية برؤى استراتيجية
ترتبط السعودية بعلاقات تأريخية حميمة بدول مجلس التعاون الخليجي، وتقوم هذه العلاقات على فهم المصير المشترك، وقد شهدت تطورا ملحوظا عبر الأعوام الماضية، أكدت قوة اللحمة الخليجية ومتانتها، فيما كانت للسعودية أدوار مشرفة للوقوف بجانب شعوب دول المجلس في كل الظروف إقليميا ودوليا.
وتأتي زيارة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عمان للسعودية، لتكتسي جملة من الدلالات، والحقائق التي تصب كلها في عمق العلاقات بين السعودية وعمان، فهي تؤكد الأهمية على الصعيدين الأخوي والاستراتيجي، كما أنها الزيارة الأولى لسلطان عمان إلى خارج البلاد منذ تسلمه مقاليد الحكم في بلاده. فالعلاقات الراسخة التي تجمع البلدين الشقيقين، تجد دعما قويا، وتوسيعا لآفاق التعاون المشترك، وسبل تطويره في مختلف المجالات، بما يعود على شعبي البلدين بالخير والنماء.
والعمل المشترك بين الرياض ومسقط، ينتقل في الواقع إلى آفاق أرحب، بما في ذلك الاستثمار في المقدرات الوطنية كقيمة مضافة، في حين أن الازدهار يمثل هدفا رئيسا في دعم وتعميق الشراكة بين البلدين المحورين على الساحة الإقليمية والعالمية أيضا. والقيادة السعودية كانت وستبقى تكن كل تقدير واحترام لسلطنة عمان، كدولة شقيقة وعضو في مجلس التعاون الخليجي، وتشدد في الوقت نفسه على أهمية التقارب في الرؤى.
فالبلدان يسعيان دائما إلى تعزيز العلاقات الثنائية، عبر تطوير أوجه التعاون المشترك، وفي تعاون يشمل ساحات وميادين لا حدود لها. بالطبع، قيام السلطان هيثم بأول زيارة له لخارج بلاده منذ تسلمه الحكم، يؤكد مجددا مدى أهمية المملكة بالنسبة إلى العمانيين، ولما تمثله من عمق استراتيجي، وتعزيز أواصر الأخوة والجوار بين الشعبين الشقيقين، فوحدة المصير تبقى دائما حاضرة على الساحة وفي كل الظروف، وهذه الوحدة بحد ذاتها تمثل دافعا قويا لاستمرار تعزيز العلاقات نحو آفاق أوسع.
كما أن هناك ميادين لا تنتهي للعمل المشترك بين الرياض ومسقط، ولا سيما على صعيد التنمية والاستمارات، فـ"رؤية المملكة 2030" و"رؤية عمان 2040" توفران ساحات واسعة للتعاون الاستراتيجي والتنموي المستدام، وتدعمان الاقتصادين الوطنيين بمشاريعهما وأدواتهما، لمحاكاة متطلبات واستحقاقات المستقبل. الرؤيتان تتضمنان مستهدفات عالية الجودة والأهمية، فضلا عن عدد كبير من المبادرات والمشاريع من كل الأحجام والقيمة. ولأن المعطيات الجامعة بين البلدين كثيرة وكبيرة، فإن مجلس التنسيق السعودي ـ العماني، سيضع رؤية مشتركة أعمق واستدامة للعلاقات، وهذا يعني أن المشاريع المقبلة ستشمل رفع مستوى التكامل في المجالات العسكرية والأمنية والسياسية، فضلا عن تلك المشاريع الخاصة بالتنمية البشرية التي تمثل الأساس لرؤى التنمية في كلا البلدين.
بالطبع هناك كثير من المشاريع المشتركة التي تتخذ طابع البنى التحتية المشتركة، بما في ذلك استكمال مشروع المنفذ البري الذي يربط المملكة بعمان، فهذا المنفذ سيدعم تلقائيا حجم التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين، بما في ذلك فتح المجال أمام حركة انسيابية سهلة للبضائع عبر الطرق البرية إلى الموانئ العمانية. المرحلة المقبلة في العلاقات بين السعودية وعمان ستشهد بالتأكيد ارتفاعا في حجم التبادل التجاري، وهذا هو مجال أساسي في طريق تعميق أكبر للعلاقات بشكل عام، فضلا عن مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي ستكون ساحة واعدة في مكافحة التغير المناخي.
إن مستقبل العلاقات السعودية ـ العمانية سيشهد تطورات تاريخية على صعيد التعاون بين بلدين شقيقين جارين يضمهما مصير مشترك، إلى جانب تطلعات لمزيد من الازدهار لشعبيهما، وهذان الشعبان قادران على تحقيق الأهداف على صعيد التنمية الاقتصادية والاستثمارية، فضلا عن قدرتهما على ضخ مزيد من الكوادر المؤهلة لتنفيذ المشاريع المشتركة التي يتطلبها المستقبل.